تَعلَّقتُ ليلى وهي ذات تمائم ولم يَبدُ للأتراب من ثديها حَجْمُ صغيرين نرعى البَهمَ يا ليت أننا إلى اليوم لم نكبَر ولم تكْبَر البَهْمُ انه قيس بن الملوح الذي لا يذكر اسمه إلا واسم ليلى معه، جن بها فقال: خليلي أما حب ليلى فقاتلي فمن لي بليلى قبل موتٍ علانيا إلى قوله: ومن أجلها سميتُ مجنون عامرٍ فداها من المكروه نفسيا وماليا ولكن قيسا على جنونه ذلك كان له دليل على حسن عقله، هو الشعر، فالشعر دليل على العقل والرجاحة إذا حَسُنَ وليس من شك أن شعر قيس من أحسن الشعر وإلا لما شاع في عصر هو عصر الفصاحة وسطوع شمس العربية وتألقها في صدر الدولة الأموية العربية الإسلامية. وقديما قالوا «لا يزال المرءُ في فُسحةِ من عقله حتى يقول الشعر». والمعنى ان الانسان لا يزال في مأمنٍ من الحكم على عقله بالنقص أو الزيادة، بالخفة أو الرجاحة حتى يقول شعراً ويعرضه على الناس، فإذا قاله فكأنما عرض به عقله يقومه النقاد فإن كان شعره حسنا، فهذا دليل على حسن عقله وإلا فشعره الرديء دليل على فساد رأيه وقلة عقله وسخف منطقه، وشعر قيس بن الملوح الجميل الخالد دليل على حسن عقله وإن شاع عنه الجنون، وأتى أفعال المجانين، فهام على وجهه مع الوحش في صحارى نجد. ومن جميل شعره قوله الشهير: نهاري نهار الناس حتى إذا بدا لي الليل هزتني إليك المضاجع أقضي نهاري بالحديث وبالمنى ويجمعني بالليل والهم جامعُ والحكمة دليل العقل وإن لقيس أبيات حكمة خالدة، وهل يقول الحكمة وهي عين العقل إلا عاقل يُحسن وضع الأمور في نصابها وهل الحكمة إلا ذلك، أليس بحكيم عاقلٍ مجربٍ من يقول: ولا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر حبيبا ولم يَطْرب إليك حبيبُ أليس بحكيم من يقول قولاً دالاً على معرفةٍ هي أشبه بمعرفة القاضي الحكيم الذي لا يأمر بعقوبة ولا يحكم بجناية إلا بأحد أمرين، اعتراف أو شهود فقال: وكيف تُقاد النفس بالنفس لم تقل قَتلتُ ولم يشهد عليها شهودها أوليس بخبير بالدنيا مجرب لها عارف بظواهرها وبواطنها من يقول: على أن قرب الدار ليس بنافعٍ إذا كان من تهواه ليس بذي وُدِ فالحكم على تواد الناس وترابطهم ليس بقرب المنازل، ولكنه بقرب القلوب وتحابها ولو على البعد. أليس بحكيم ذلك الذي يطلق بيتاً خالداً مثل قوله: وقد يجمع الله الشتيتين بعدما يظنان كُلّ الظن أن لا تلاقيا إنه العقل الراجح والقلب السليم الذي يخطر له بيت رائع مثل هذا ينزل على القلوب الوالهة نزول الغيث على الصحارى المجدبة. وأنه للعقل الواعي الذي تنير له التجربة والخبرة بطبائع النفوس دربه وتفسح له طريق بيانه فيقول حاثا على كتمان السر: إذا أنت لم تجعل لنفسك شُعبة من السر ذاع السر كلَّ مكانِ وإنها لمعرفة جمة بأحوال الدهر ونوائبه وتقلباته تلك التي تصوغ بيتاً يطرق الخواطر كلما فرق الدهر الخلطاء الخلصاء، فقال شاعرنا وبين عينيه طبيعة الدنيا التي لا يأمن فيها الأحباب فراقا بعد اجتماع: وقد يُشعبُ الأُلاَّفُ من بعد عزةٍ ويصدع ما بين الخليطين صادعُ ومن أبيات قيس الشهيرة التي سارت مسار المثل وإن لم تكن حكمه مباشرة قوله: تمتع من شميم عرار نجدٍ فما بعد العشيةِ من عرار إنه قول يَمرُّ بخاطر كل من هو على وشك البين، يحاول أن لا يفارق إلا وآخر عهده بمن يحب هو ذكراه وسلواه في سفره. وهكذا فإننا نجد عند شاعرنا المسمى بالمجنون أبيات حكمة لا تجارى هي دليل على حسن عقله وعمق تجربته وإنها ـ أي أبيات الحكمة ـ هي رحيق تجربته ومعاناته الشعورية التي عاشها وهي حبه وخوفه من فقدان حبه وترقبه للفراق في كل ساعة لذلك جاءت أبياته الحكيمة تدور في معاني الفراق والخوف منه، فهي إما تعظيم للقرب من المحبوب وزيارته وهو أمر يَعُدُّه الشاعر خلاصة الدنيا وخيرها، وإما حث على الإيمان بأن الاجتماع بالأحباب والافتراق عنهم قدرٌ من أقدار الله لابد من التسليم به، وإما حث على كتمان السر خوفاً من وشايات الحاسدين ومكائد الوشاة وإما تحذير من تقلبات الدهر التي لا تبقي على اجتماع المحبين ولا تحفظ للخلطاء سعادتهم باللقاء. وهكذا هي حكمة قيس حكمة صادقة تدل على صدق تجربته الشعورية وهي الحب ورجاء القرب والخوف من البعد وما يؤدي إليه من شيوع السر وذيوعه، وحكمة قيس صورة نفسه المأخوذة الخائفة المترقبة الوجلة غير المستقلة، أما عقله فراجح له من الحكمة دليل عظيم ظاهر هو الشعر الجميل الخالد وكم من عقل سليم لنفس مضطربة خائرة القوى موهومة ذاهبة يطغى اضطرابها أحيانا على العقل فتحول دون حكمته وتقطع حباله وعقاله، وكيف لشاعر مقروح الكبد يئن شوقاً ويغصُ من شوقه بشرابه أن يسلم من خطرات الجنون ولي كبد مقروحة من يبيعني بها كبد ليست بذات قروح أئِنُّ من الشوق الذي في جوانحي أنين غصيصٍ بالشراب جريح سالم الزمر salzomr@ hotmail. com