خلال العقدين الماضيين تعرضت الأنظمة العسكرية في العالم العربي التي حكمت في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات إلى انتقادات مريرة من جانب عدد واسع من المثقفين العرب. وانصب النقد بدرجة أساسية على استغلال هذه الأنظمة بصورة نفعية ومبتذلة لـ «القضية الفلسطينية» و«قضية الوحدة» وقضية «العروبة» وغيرها من القضايا في ذلك الوقت. وإن هذه الأنظمة قمعت الآراء والتعددية السياسية وقضت على الحريات باسم «القضية» وعملت على تدمير الحياة السياسية في المجتمعات العربية. وهناك من حملها حتى مسئولية الهزائم العسكرية التي منيت بها البلدان العربية على أيدي إسرائيل. وكان التصور أن هذه الانتقادات انما هي من قبيل تشخيص الداء من أجل التوصل إلى الدواء. وبالتالي هي تمهد الطريق إلى ولادة تفكير جديد يقيم قطيعة مع تصرفات وسلوكيات تلك الأنظمة، ويعيد الاعتبار لحرية الفكر والتعبير وللحقوق الأساسية للبشر التي كفلتها المواثيق والأعراف الدولية. ولكننا اليوم في بداية الألفية الجديدة، لم نر شيئاً يتحقق مما جرى انتقاده. بل لا نزال نعيش في ظل وضعية مشابهة من حيث الجوهر وإن اختلفت من ناحية الشكل، لتلك المرحلة. فلا تزال «القضية» نفسها مسيطرة، ولا يزال باسم هذه القضية وقدسيتها تقمع الآراء ويجري الحد من حرية التعبير، ولا تنشر الصحف العربية إلا ما يوافق الآراء السائدة وما ينضوي تحت غطاء «القضية». فلا أحد يستطيع أن يقول رأياً مغايراً في القضية الفلسطينية أو في العلاقة بين الشرق والغرب أو في العلمانية أو في طالبان أو غير ذلك من القضايا. فهل كانت تلك الانتقادات التي وجهت للأنظمة العسكرية العربية صادقة حقاً، أم أنها قميص عثمان فحسب! واقع الحال يبيّن أن تلك الانتقادات كانت موجهة فقط بسبب توجهات وفكر تلك الأنظمة، ولصالح توجهات وأفكار أخرى، وليس ضد تسلطها وديكتاتوريتها وقمعها للحريات. واقع لم يتغير من المؤسف أن نقول إن هامش الحرية التي نعيشها اليوم في المجتمعات العربية (من حرية تعبير ونشر وما شابه) لم يتسع كثيراً من الخمسينيات والستينيات. ومعظم الحديث الذي يدور اليوم حول وجوب احترام التعددية وإفساح المجال للآراء المخالفة للإفصاح عن نفسها والدفاع عن منطلقاتها هو من باب ذر الرماد في العيون ليس إلا. فلا يزال الحديث عن القضايا الجوهرية ممنوعاً تقريباً، في حين أن الخروج عن السرب الأيديولوجي المهيمن يحمل الكثير من المخاطر. وهكذا فإنه يسمح لك بالكتابة والتعبير ليل نهار عن القمع الذي تقوم به إسرائيل ضد الفلسطينيين، وعن الغرب الكافر وعن المقاومة وضرورة الجهاد وعن أهمية التوحد والتكاتف بين العرب وعن انحياز السياسة الأمريكية لإسرائيل وعن تحيز المجتمع الدولي، وعن تراثنا الذي حوى كل شيء من علوم الفضاء وحتى هندسة الجينات وتكنولوجيا أشباه الموصلات! لكن لا أحد يسمح لك بأن تتحدث أو تنشر شيئاً عقلانياً أو مغايراً في أي من هذه القضايا. والمؤسف أنه ليس الحكومات العربية فقط هي التي تمنع وتصادر الآراء، وإنما النخب الثقافية والإعلامية أيضاً التي لا تقل تخلفاً وعداء لهذه الآراء. وهذه تحسّن الحديث كثيراً عن أهمية وجود الرأي الآخر وضرورة الاستماع إليه، حتى تخالها قد أصبحت ديمقراطية أكثر من الديمقراطيين، لكن ما أن تقع على رأي آخر يختلف عنها في منطلقاتها أو أيديولوجياتها حتى تقدح عيناها شرراً وتود تمزيق ما بين أيديها وصاحبها ورميه في أقرب مزبلة. إنها حين تتحدث عن الرأي الآخر وضرورته لا تتحدث في الواقع عن الآراء المخالفة لها حقيقة، وإنما عن نفس آرائها ولكن بشرط أن تقال بطريقة مختلفة! لماذا الخوف من الرأي الآخر والحال أن السؤال المهم الذي ينبغي طرحه هنا هو لماذا الخوف من الرأي الآخر أياً كان هذا الرأي، ومهما بلغ في درجة تصادمه أو مخالفته لما نعتقده؟ هل ستنقلب الدنيا ويتغير الكون لمجرد طرح رأي مخالف؟ أليس لنا أن نتعلم شيئاً من تجارب الدول المتقدمة التي لا نتغنى بتقدمها طويلاً، دون أن نفعل أدنى شيء للاقتداء بهذا التقدم. ففي هذه الدول لا يوجد حجر على الرأي، حتى وإن جاء مخالفاً لرأي الغالبية، أو لرأي المؤسسة الرسمية. وقد رأينا أصواتاً أمريكية كثيرة تنطلق منددة بالحصار الأمريكي على العراق، وأخرى تعارض العولمة التي تقودها الولايات المتحدة، وبعضها يتحدث عن هيمنة أمريكية مرفوضة على العالم، وأخرى عن فساد الطبقة السياسية الحاكمة... الخ. بل إنه حتى في إسرائيل نفسها، يمكن أن نسمع آراء تعارض الحرب التي يقودها شارون ضد الفلسطينيين، وآراء تطالب بإعطاء الشعب الفلسطيني حق تقرير المصير. وتقال هذه الآراء سواء في الصحف أو في وسائل الإعلام الأخرى، ولا بد أن كثيراً من الإسرائيليين يتضايقون لسماع هذه الآراء، لكنهم لا يطالبون بمنعها. إن أصحاب الآراء المخالفة قد يكونون قليلي العدد وربما غير مؤثرين في السياسة العامة في هذه البلدان، لكن المهم أنهم موجودون والأهم أنهم يعطون المجال لقول آرائهم. فلماذا لا نملك نحن هذه الشجاعة، ونضيق بمجرد رأي يقال هنا أو هناك؟ وألا يدل ذلك على إننا لا نثق في صلابة آرائنا ومواقفنا؟ والحال أننا إذا كنا نخاف من مجرد آراء تقال بيننا، فكيف سنستطيع أن نتعامل مع العالم بتحدياته وآرائه المختلفة؟ بل كيف يمكننا أن ننشيء بيئة سليمة، ندعي فيها بحقنا في الاختلاف وحقنا في أن نقول رأينا المخالف لهذا العالم. مصادر الخوف المحتملة مشكلة العقل العربي أنه عقل لا يزال يتمحور حول المطلقات، سواء في السياسة أو في باقي مناحي الحياة. ومثل هذا العقل الذي يعتقد انه وحده من يملك الحقيقة المطلقة، ووحده المنوط به المحافظة على ترتيب الكون وصفاء الأشياء، ووحده الذي يعرف صالحه وصالح غيره، إن مثل هذا العقل لا يمكنه أن يتنازل ويتواضع ليقر للآخرين بحقهم في أن تكون لهم حقائقهم الخاصة بهم، ولا يمكنه أن يعترف بأن الآخرين يملكون قدراً من الصحة في آرائهم أو مواقفهم. بل انه لا يعترف إلا بنفسه وما يصدر عنها. وهو يعتبر أن كل رأي أو وجهة نظر تخالفه إنما تسعى إلى تخريب مشروعه، لأنها حسب رأيه تشوش على الجمهور الذي يريد أن يستقطبه وتحرف وعيه عن الطريق القويم، وتجعله يفكر فيما لا ينبغي التفكير فيه، وبصورة يضر بها نفسه، مثل الأطفال الذين هم بحاجة دائمة إلى من يأخذ بيدهم. ولذلك فإنه يتعامل مع المخالفين له وفق هذا المنظور، فكل من خالفه في الرأي هو عميل ومتآمر، وحسب اللغة الدارجة في الوقت الحاضر، متآمر واستسلامي ومتغرب... الخ. وهؤلاء جميعاً ينبغي، حسب رأيه، أن يمنعوا من التعبير عن آرائهم ويجب أن يحال بينهم وبين نشر أفكارهم الهدامة، وإذا أمكن قتلهم أو نفيهم! لا يسعه أن يستوعب أو يفهم أنه بقدر ما هو مقتنع برأيه ومعتز به، فإن الآخرين هم كذلك مقتنعون بآرائهم ومعتزون بها. وإن الفرق هنا شكلي وليس نوعياً. يبقى أن أقول إنه إذا كانت آراء ما صحيحة فإن شيئاً لن يستطيع أن يمنعها من الانتشار، وإذا كانت خاطئة فإن شيئاً لن يستطيع أن يجعلها تسود بين الناس. ـ كاتب بحريني