في البلدان المتقدمة والنامية نشأت حركات متشددة أو متزمتة أو متطرفة في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. ولنشوء هذه الحركات أسباب تاريخية واقتصادية وسياسية وثقافية ونفسية. وهذه الأسباب متشابكة ومتداخلة. وتختلف هذه الأسباب قوة أو ضعفاً تبعاً للسياق الاجتماعي السياسي الثقافي في كل بلد أو منطقة. ولا يمكن معرفة معالجة ظاهرة تشدد أو تطرف الحركات دون معرفة أسبابها الجذرية. أحد أسباب نشوء الحركات الاجتماعية المتشددة في بلدان العالم النامي، ومنها بلدان عربية، هو قوة الغزو الثقافي القيمي الغربي لثقافات تلك البلدان. لقد بلغت تلك القوة مبلغاً جعل أناساً من بين شعوب تلك البلدان يخافون على ثقافتهم وهويتهم الثقافية. وقد أدى ذلك الغزو في أماكن مختلفة إلى طمس الهوية الثقافية أو إلى قمعها. في الثقافة الغربية يوجد ما هو طيب ومفيد وما هو طالح ومضر من المنظور الثقافي والقومي للبلدان النامية. إلا أن قوة الغزو الثقافي الغربي جعلت ردة الفعل أحياناً كثيرة شاملة ليس فقط لما هو طالح ومضر، ولكن لما هو طيب ومفيد أيضاً. ردة الفعل هذه جاءت تأكيداً على وجود الذات والهوية الثقافية. وثمة سبب ثقافي حضاري قيمي آخر لنشوء الحركات المتشددة، وذلك السبب يتعلق بالنظرة الغربية الاستعلائية إلى كثير من الشعوب غير الغربية. النظرة الغربية تتسم بقدر من الاحتقار للشعوب غير الغربية. الغربيون يجهلون ثقافة العرب والمسلمين وديانتهم ويجهلون ثقافتهم القومية ولغاتهم الوطنية، ويجهلون أيضاً المذاهب المسيحية لدى الطوائف المسيحية الشرقية. ويظن الغربيون أنهم أكثر علماً وأعمق فهماً من غير الغربيين. ولا يعرف كثير من الغربيين عراقة الحضارات لدى الشعوب الأخرى. ولا يعرف الغربيون في أغلبيتهم الساحقة أن لنا نحن العرب حضارتنا المشرقة العريقة ولغتنا العربية العلمية التي كتبت بها في العصور الوسطى مئات آلاف الكتب العلمية والأدبية عندما كان الأوروبيون يغطون في سبات عميق. وترد الشعوب المستهدفة التي تعي وتعتز بثقلها الحضاري والقيمي ردة قوية على هذه النظرة الغربية الاستعلائية، ويكون الفكر المتشدد أحد تجليات ردة الفعل هذه. وأحد أسباب الفكر المتشدد في العالم الثالث أيضاً عدم إجراء الحوار بين بلدان هذا العالم والغرب. يمكن للحوار ـ الذي هو قناة للنقل المتبادل للأفكار بين المتحاورين ـ أن يخفف شدة ردة فعل أصحاب الفكر المتشدد على ما تعاني مجتماعتهم منه. فلدى تبادل الأفكار يطّلع كل طرف على أفكار الطرف الآخر، ويحقق كل طرف قدراً أكبر من فهم موقف الطرف الآخر، ويحتمل احتمالاً كبيراً أن يؤدي ذلك أيضاً إلى قدر من تفهم كل طرف لموقف الطرف الآخر. ومن شأن هذا الفهم والتفهم أن يحدا من الاستقطاب بين الطرفين وأن يكون لهما أثر التقريب بين المواقف. ولنشوء الحركات الاجتماعية المتشددة في صفوف شعوب العالم النامي أسباب اقتصادية أيضاً. تنتشر شرور الفقر والأمية والمرض بين الناس. وتتفشى البطالة، وخصوصاً في صفوف الشباب. وفي أماكن كثيرة لا يلبي الحد الأدنى من الحاجات الضرورية التي تحتاجها قطاعات كبيرة من السكان. ولا تتوفر لدى السلطات المسئولة الأداة الفعالة اللازمة لمكافحة هذه الافات. وبسبب فرض قيود كثيرة داخلية وخارجية على السلطات المسئولة لا تلبي في أماكن مختلفة في العالم النامي وفي العالم متقدم النمو أيضاً حاجات ضرورية للناس. وبالنظر إلى أن إحدى السمات الرئيسية للاتجاهات الفكرية المتشددة في العالم الثالث هي أنها ردة فعل على الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والنفسية السائدة فإن من شأن الحوار بين أصحاب هذه التيارات والأوساط الغربية أن يسهم في تلبية قدر من حاجاتهم النفسية من قبيل إدراكهم أن الغرب يلتفت إلى وجوه استيائهم ويصغي إلى شكاواهم ويهتم بحالة العالم الثالث الذي يعاني كثير من شعوبه الفقر والبؤس. ويعرف عدد من الغربيين حقيقة الحالة الاجتماعية والاقتصادية لكثير من الناس في العالم الثالث. ولكن السياسة الرسمية التي تتبعها حكومات غربية لا تبدي الحساسية الكافية بهذه الحالة. تعنى هذه السياسة في المقام الأول بمصالح بلدانها هي، وفي نهاية المطاف لا تكترث هذه السياسة بآثار تنفيذها في حياة شعوب العالم الثالث وفي ظروف حياتها. وتنطلق هذه السياسة من منطلق محاولة فرض إرادتها على الغير، ومحاولة فرض هيمنتها ولا تنطلق من منطلق مراعاة مقتضيات مواءمة نفسها مع التعددية الثقافية والحضارية في العالم، ومع حقيقة أن هذا الكوكب تعيش عليه شعوب كثيرة ذات ثقافات وحضارات وطرق حياة مختلفة ومع حقيقة أن الغرب لا يشكل جغرافياً سوى جزء من سطح الأرض. هذه السياسة الغربية هي التي تسهم إسهاماً كبيراً في تخلف العالم الثالث الذي يتجلى فيما يتجلى فيه الفقر والجوع والمرض والبؤس ونضوب أو قلة العطاء الفكري والأدبي. وهي السياسة التي هي أحد العوامل المهمة في نشوء الفكر المتشدد. وبالنظر إلى أن الغرب أقوى اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وتنظيمياً فهو الذي يملي كلمته على العالم الثالث، مما يولد لدى شعوب هذا العالم الشعور بالقهر وانعدام الحيلة، وهو الشعور الذي يفضي إلى رد الفعل على هذه الحالة. ويوجد قيد بالغ الأهمية، وهو النظام الاقتصادي الدولي الذي تسيطر عليه وتتحكم فيه البلدان الصناعية المالكة للتكنولوجيا المتطورة ومنها تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، وهي البلدان التي تتصرف في المقام الأول بوحي من مصالحها الخاصة ومصالح الشركات غير الوطنية ومتعددة الجنسيات. ومن مفرزات هذا النظام التضخم النقدي الهائل في عدد كبير من البلدان النامية وارتفاع أسعار المنتجات التي تنتجها وتصدّرها البلدان متقدمة النمو في أمريكا الشمالية وأوروبا وانخفاض أسعار السلع والمواد التي تصدّرها البلدان النامية، ونشوء ودوام العجز في ميزان مدفوعات بلدان نامية كثيرة، وتفشي البطالة والبطالة المقنعة فيها وارتفاع كلفة خدمة الديون الهائلة الواقعة على كاهل كثير من البلدان النامية، وعلى وجه الخصوص البلدان الأفريقية الواقعة جنوب الصحراء الكبرى واتساع نطاق الهجرة من البلدان الآسيوية والأفريقية إلى البلدان الأوروبية وإلى الولايات المتحدة الأمريكية وكندا واستراليا. لهذه الظواهر أسبابها الداخلية والخارجية والتاريخية والثقافية. والنظام الاقتصادي الدولي كان ولا يزال متحملاً لقدر كبير من المسئولية عن نشوئها. ـ أستاذ دراسات الشرق الأوسط ـ الولايات المتحدة