عندما تهزم دولة هويتها المميزة في الداخل فإنها توفر لعدوها عبء إلحاق هزيمة بها من الخارج. ولا أجد نموذجاً عصرياً يجسد هذه البدهية كنموذج «جمهورية شمال قبرص». أقول هذا بمناسبة صدور قرار عن حكومة هذه الجمهورية ـ المفترض أن تكون إسلامية ـ يحظر على النساء ارتداء الحجاب في جامعاتها. نعلم أن جمهورية شمال قبرص خرجت إلى حيز الوجود قبل نحو نصف قرن على أساس ديني بالدرجة الأولى. فجزيرة قبرص تتكون من قسمين تتطابق في كل منهما الجغرافيا مع الديمغرافيا مع العقيدة الدينية. فبينما يقيم في الجنوب أغلبية مسيحية يونانية تقيم في الشمال أقلية مسلمة تركية. ومنذ الاستقلال في عام 1960 حين استأثر المسيحيون اليونانيون بكامل جهاز السلطة العليا في الجزيرة ظل الطرفان في حال اشتباك أساسها شكوى القسم المسلم من المعاملة التمييزية التي كان ينتهجها المسيحيون نحوهم إلى أن أرسلت تركيا قوة عسكرية في عام 1974 احتلت القسم الشمالي في تحدٍ لحكومة القبارصة اليونانيين واليونان نفسها معها... مما مهّد لقيام جمهورية شمال قبرص ككيان مستقل على أساس تقسيم الجزيرة. ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم ظلت جمهورية الشمال المسلم ومعها تركيا تسعيان لنيل اعتراف دولي بهذه الجمهورية دون جدوى. وليس من الصعب إدراك السبب الأساسي لهذا الفشل. فالقيادة السياسية لهذه الجمهورية ليس لديها بوصلة. فبينما تعرض الجمهورية نفسها للعالم الإسلامي كدولة مسلمة ينبغي أن تحصل على تعاطف إسلامي فإنها في الوقت نفسه تنتهج سياسة داخلية قوامها تحجيم دور الإسلام في المجتمع والسلطة ومحو الهوية الإسلامية للمجتمع متخذة من علمانية تركيا الأتاتوركية مثلاً أعلى. ولزيادة التناقض على الصعيد الخارجي فإن الجمهورية إذ تسوّق نفسها على العالم الإسلامي باسم الانتماء إلى أمة الإسلام فإنها في الوقت نفسه تخاطب الغرب بلسان علماني. لقد ولدت جمهورية شمال قبرص ككيان لمجتمع مسلم يريد أن يدافع عن هويته ونسيجه على أساس عقيدته الدينية في مواجهة كيان مسيحي أقوى يمارس عليه اضطهاداً منهجياً. فشعب القبارصة اليونانيين يتعامل مع أقلية القبارصة الأتراك على أساس وضع الكنيسة في مواجهة المسجد. النسيج الاجتماعي لشعب شمال قبرص يعتمد بالطبع على روابط العرق واللغة... لكن بدون رابطة العقيدة الدينية تبقى الروابط الأخرى واهية، خاصة أن الإسلام ليس مجرد عقيدة وانما هو أسلوب حياة ومنظومة قيم سلوكية تلازم الفرد والجماعة من المهد إلى اللحد. لقد بدأت القيادة السياسية لجمهورية شمال قبرص حربها على الهوية الإسلامية لشعبها بتطبيق مبدأ فصل الدين عن الحكم وانتهت إلى فصل الدين عن المجتمع كما يستدل على ذلك بحظر ارتداء الحجاب على النساء. وقد كان أحرى بهذه القيادة أن تأخذ عظة من تجربة تركيا الأم. فبعد أكثر من سبعين عاماً من تطبيق العلمانية الأتاتوركية لا يعرف الشعب التركي الآن ما إذا كان منتمياً إلى العالم الإسلامي أم إلى أوروبا المسيحية. ومن سخرية الأيام أنه بينما يرفض «حراس العلمانية» في تركيا أي توجه انتمائي إلى الأسرة الإسلامية فإن أوروبا ترفض بشتى الذرائع والحيل قبول تركيا في عضوية الاتحاد الأوروبي.