جاء الى مكتبي منذ عدة أيام شاب مواطن، كان يبدو انه متوتر او غاضب من شيء ما، لم يتحدث ولكنه قدم لي مجموعة من الاوراق كانت عبارة عن شهادات دراسية تخصه منذ ان كان طالبا في الثانوية والجامعة، وبعد ذلك عندما ذهب للدراسة في بريطانيا ونال درجة الماجستير في الهندسة الالكترونية ولم ينس ان يثبت لي بأنه مواطن بتقديم صورة من خلاصة القيد! وضعت الاوراق جانباً وسألته: ما هي المشكلة يا أخي؟ أجاب: منذ 3 سنوات وانا أبحث عن وظيفة بلا جدوى، أليست هذه مشكلة؟! شرح لي وضعه العائلي، وطوافه على الكثير من المؤسسات والدوائر، وحكايات كثيرة حصلت له مع المدير الفلاني والمسئول العلاني، والوعود التي سمعها حول الوظيفة والراتب وبعد ذلك العبارة المعروفة التي حفظها عن ظهر قلب: سوف نتصل بك قريباً! ويخرج صاحبنا من المكان ويظل ينتظر الاتصال ولكن بلا نتيجة، اما لماذا فلا ندري؟ اخذت أحلل معه الأمر حتى نعرف السبب، فقد يكون السبب عدم الحاجة الى تخصصه في الأماكن التي قدم فيها، وقد يكون عدم الخبرة سبباً، وقد يرجع الامر الى الاجراءات الروتينية في بعض المؤسسات التي تحتاج الى وقت طويل للرد على طلبات التوظيف، وربما كان السبب عدم وجود شواغر بسبب الميزانية وبسبب ارتفاع مؤهله العلمي، وربما... وربما... وفي كل مرة كان الشاب يرد علي رافضاً كل هذه المبررات ومفنداً بالأدلة كل التحليلات التي فكرت فيها، ولذلك سألته لأنني احسست بأن لديه تبريراً آخر مقتنعاً به تماماً على ما يبدو، لماذا لا يتم توظيفك اذن طالما ان هناك حاجة لتخصصك وان هناك شواغر و... كما تقول؟ اجابني: لأنني امتلك تخصصاً رفيعاً لا يملكه حتى المسئول او الرئيس الذي سأعمل تحت ادارته! ذهب الشاب ولم التقط من الاوراق سوى اسمه الاول، وتركني افكر في حديث سمعته اكثر من مرة عن مسئولين ومدراء مؤسسات حكومية مختصة في امور الهندسة والبنوك والادارة يرفضون تعيين شباب على درجات علمية عالية (دكتوراه احياناً) لانهم يخافون منهم، فهم يرون فيهم منافسين محتملين في المستقبل لما يتمتعون به من علم عال وشهادات رفيعة وامكانيات ومؤهلات شخصية قوية وذهنية متوقدة، ما يجعلهم يشعرون بالتهديد القادم مع تعيين هؤلاء، وللأسف فإن من يفكر بهذه الطريقة ليسوا مدراء آسيويين أو اوروبيين فقط بل مواطنين احياناً! سألت ذلك الشاب وهو يهم بالخروج ماذا تنوي ان تفعل؟ قال سأمزق الشهادات وافكر بوظيفة سائق تاكسي او منظف سيارات في محطات البترول، وربما اترك البلد وابحث عن فرصة حياة افضل في مكان آخر!! ذهب مخلفاً وراءه اكثر من علامة استفهام، وغصة في داخلي على حال بعض الشباب الذين يأخذهم حماس العلم والمشاركة في التطوير، ثم يصدمون بواقع يتحكم فيه بعض المدراء والمسئولين المملوئين بعقد النقص وعدم الثقة بالنفس، فمن يقدم الحل ومن يشير على هذا الشاب بمخرج آخر غير غسيل السيارات؟!!