لم يكن شعورا عاديا ولا خليطا ممتزجا من المشاعر ذلك الذي تدفق مع مرور الدقائق في حفل جائزة الصحافة المكتوبة والمرئية بالامس حتى قارب ان يتكور كالدمع في العين، بل شيء يشبه ذلك الاحساس الذي يتغلغل في قلب المقهور الذي انتصر للتو..كان جمع ا لاعلاميين العرب في صالة واحدة بين مناضل بالقلم ومناضل بالصورة ومناضل بالمشهد المرئي وبين مسئولين اصحاب قرار وقامات عربية حاضرة وغائبة في سماء الاعلام العربي كان جمعا ادفأ من الشموع الجميلة التي توسطت الطاولات في صالة الحفل، وكنت اينما رميت ببصرك هنا وهناك يتلقفك وجه تعرفه، قرأت له، شاهدته عبر الشاشات العربية، او التهمت كتبه وتنظيراته وتبخرت بفكره. وكان كلما نودي على فائز بفرع من فروع الجائزة تسمع همس الاعلاميين عن سيرته الذاتية ومسيرته الاعلامية.. هذا فلان صاحب مقالات كذا، او انه فلان صاحب الكاريكاتير الفلاني، او هذه فلانة العاملة في جريدة او مجلة او قناة كذا تقدم البرنامج الفلاني.. هكذا كان الاعلاميون يهمسون بالسير الذاتية لكل من اعتلى منصة التتويج، وكان من حقهم علينا ان نصفق كثيرا ونصارع توالد الدمعات في اعيننا خجلا وخوفا من الحرج. مع ذلك لم ترحمنا شاشة العرض في خلفية المنصة التي فتحت نافذة الذاكرة البعيدة والقريبة واقتلعت من احشائنا حزنا كثيرا ونيراناً من الغضب، وشعورا بالبطولات الاعلامية التي حققها لاعلامنا العربي زملاء وزميلات اختار كل منهم بدافع التنوير والعمل الاعلامي ان يلقي بنفسه بين رصاص القنص وشظايا انفجارات الصواريخ. ولم يرحمنا ايضا كثير من الزملاء الذين اتيحت لهم فرصة التعبير بعد نيل الجوائز، حتى خنقتنا العبرات وجللنا الكبرياء وهم يتتالون تباعا في اهداء جوائزهم لشهداء الانتفاضة، ويهدونها ايضا الى ابائهم وامهاتهم واخوتهم..انهم زملاء رقيقون، صادقون، مناضلون وبسطاء جدا..جدا. في هذا الطقس فكرت وانا اصارع تلك المشاعر التي انستني من كان بجواري من الزملاء في الفكرة نفسها، فكرة جائزة الصحافة المكتوبة والمرئية، هدفها الاسمى، حاجتنا لها، الحاجة الخارجة عن دائرة التسابق ودائرة «البريستيج»، فكرت في انها ستجمعنا كل عام حول الانصهار ذاته الذي عشناها على مدى يومين متتالين، واننا موعودون سنويا مع زملاء لنا نجمعهم من المدن العربية والقرى العربية، من المهجر، من ساحات المعارك الساخنة، سنجمعهم في ليلة واحدة اينما كانوا وتحت أي ظرف كان، كبلني المعنى في الفكرة على كرسي وانا ارقب كل هؤلاء المناضلين في بقاع الوطن الكبير. وكانت عظيمة جدا.