دائما آتية، قادمة إما من داخل الحارة الى خارجها أو من خارج الحارة الى داخلها. حيث تنتهى المسافة بعد العطفة، يقوم بيت لا نرى منه إلا نوافذه الخلفية، أما مدخله فمطل على شارع قصر الشوق، وبالنسبة لى كان ذلك نائيا قصيا بمقاييس الوقت، فلم تتجاوز حركتى بمفردى المسافة بين البيت والمدرسة. مدرسة عبدالرحمن كتخدا بشارع قصر الشوق. حوالى مئتى متر، أما التفكير فى المضى الى ميدان الحسين فمغامرة مجهولة العواقب. حارة درب الطبلاوى سد، لاتؤدى الى أخرى، لا تصل بين شارعين، أو دربين، لذلك لا يدخلها إلا من يقيمون بها، أو الباعة الذين يترددون وفقا لنظام خفى، غير متفق عليه، تقتضيه الحاجة. بدءا من بائع اللبن، بائع الصحف فى الصباح الباكر وانتهاء بعم مصطفى بائع الذرة المشوى والذى يحمله على جمل هاديء المظهر، عميق الصمت. تقيم فى أحد المنزلين، المتجاورين، المتساويين، فكأنهما بيت واحد له مدخلان، نوافذهما مستطيلة، خضراء اللون، وطلاء الجدران أصفر. تقيم فى الأول، الثانى فيه (عليه) عليه كانت تسكن الطابق الأرضى، أما هى فتقيم بالطابق الثانى، شقة لا أعرف كيف تبدو من الداخل، لم أدخلها، كما أننى لم أدخل أى شقة فى هذا البيت، منه تجيء، وإليه تمضى. هل هفا نحوها قلبى لأنها كانت آتية دائما، تدخل مجال بصرى عند قدومها من داخل أو خارج، تماما كظهور الحمراء فى لحظة متممة لقدومها عبر أسطح المنازل المتجاورة. هل حدد بزوغ (الحمراء) المفاجئ أول شرط عندى لنزوعى وبدء هواى؟ لا أدري، بل إن ذلك لم يدر بفكرى، ولم أطالعه فى خيالى، أو أويقات تقليبى ما جرى ويجرى، إنما لاح ذلك أثناء تدوينى هذا. ربما أميل الى تصديق ذلك، عندما يلوح لى تتابع تلك الهلات المفاجئة، لكل من عرفتهن وكان لى معهن شئون ومجريات أمور، كل منهن ظهرت عندى بعد تمام قدوم، أما اولئك اللواتى عرفتهن فى وضع ساكن فلم يكن لهن معى نصيب، بالطبع ثمة عوامل أخرى، لكنها إن تفرقت أو تجمعت تمت الى الحمراء بقدر. نادية دائما قادمة، أتوقعها أثناء وقوفى فى الشرفة أو عند مجيئى من الخارج، توقيتها عندى العصر، معظم المرات التى طالعت هلاتها كانت عصرا، إنها شهور الصيف أيضا، يبدو أنها تقضى الصباح فى البيت، لكنها تلوح عند العصر، لذلك أقف فى الشرفة أترقبها. متمهلة تبدو، تجتاز العطفة لتخطو وسط الحادة، ليست بالقصيرة أو الطويلة، عنقها باد، سارح، متطلع، ملامحها هادئة، متسقة، لها عندى حتى الآن اللونان الأبيض والأسود. الأول لبشرتها والثانى لملبسها، إذ كانت فى حداد على والدها. كيف سبيلى اليها؟ قبل نومى أرتب الأوضاع والمداخل، اقترابى منها فى مكان حيث لا يعرفنا أحد، أقول اسمى مبديا التأثر، أتمنى ألا أزعجها، أن تسمح لى بالمشى قليلا الى جوارها، إننى على استعداد لتقديم أى عون تطلبه مني، بل أننى متأهب للتضحية بنفسى من أجلها إذا لزم الأمر. أستعيد سطورا قرأتها من روايات مترجمة، يدور معظمها حول النبلاء قبل الثورة الفرنسية، كل منهم يخوض الأخطار حتى يثبت جدارته لمن يحب. لابد أنها ستتطلع اليّ ممتنة، ستنظر خلال سيرها المتمهل، لم أتخيل اللقاء بها إلا خلال حركة، لا تتوقف إلا لحظة اعتراض طريقها، محاولات تثبيت ملامحها الطرية فى ذاكرتي، نداوة طلتها وبشرتها الديانة، مجرد لحيظة لا يمكن رصدها، ثم تواصل مشيتها، فهى دائما آتية، ذاهبة، ماضية، أو آيبة، عائدة.. عندما يدركنى الوسن، انتقالى الى ما بين اليقظة والنوم لا أرى إلا ملامحها ممتزجة باسمها، صار علامة دالة على كل من عرفتها ولاقيت فيها شبها منها، مثل لون شعرها الأشقر، أو طلة خصيلاته على جبينها، وسرحة عنقها الى أعلى، منطقة وسط، تصل الأعلى بالأسفل، الرأس بالصدر، كانت منمنمة، دقيقة التفاصيل، متناسقة الجهات، رئيسية كانت أو فرعية، اسمها منح ملامحها لكل من التقيت بهن فيما بعد وحملنه، إن فى شرق أو غرب. عبر محطات كافة، صبا أو شباب أو ما أعبره الآن من وهن يردنى الى سيرتى الأولى، ما إن أسمع باسم تلك السيدة أو تلك، نادية، حتى تمثل أمامى وتصل عندي، كل (نادية) هي، يتحقق حضور خاص بمجرد ذكر الاسم، وهذا حال غلب عليّ، ليس بالنسبة اليها، إنما شمل كل من أنزلتهم عندى وارتويت بطلاتهن، وأخصبن مخيلتى بالسعى اليهن، سعاد منهن، كذا مديحة وكاميليا وميرفت وعزة وميس ومنتهى وسندس وغيرهن ممن يردن على خاطرى أويقات تقليبى ما جرى، واستعادتى لما كان وتفحصى ما تبقى. أعرف القوة الكامنة فى الاسم، كيف يمنح صفات معينة لحامله، وكلما تردد فهذا يعنى درجة من البقاء حتى مع الفناء والتبدد، مجرد عندى فكأننى سأراها آتية أمامي، بالضبط نفس اللحظة البعيدة عند العصر، يستوى عندى قدومها من داخل العطفة، أو عودتها من خارج الحارة، لها السعى عينه، ومنها الاقبال الموحى، والطلة النائلة، توثبت حولى أمنيتى أن ألتقط لها صورة لتظل ملامحها معي، لكم تخيلت كمونى فى موضع ما، خفى بحيث لا تراني، عندما تدخل بؤرتى التقط الصورة التى اتطلع اليها كلما شئت استعادتها، لكن ذلك لم يقع، ولم يتفق لى قط، غير أنها أورثتنى قوة اسمها، فكل نادية رأيتها أو قابلتها أو تعرفت بها اليها تمت ومنها تستمد ملامحها، حتى اللواتى أطالع صورهن عبر السينما أو التليفزيون، فى البداية أراها آتية ثم يتفرع منها الماثلة أمامى لهذا أو تلك، لكل اسم قوة على تشكيل الملامح وتحديدها وتأطيرها، فليس ما يثير عندى (نادية) مثل ذلك الذى يعنيه (هند). لم أخاطبها قط، ولم أتوقف أمامها، بل إننى لست واثقا إذا ما وقع لقاء الصدفة، كأن يتوافق قدومى من خارج الحارة مع خروجها أو العكس، لست على يقين ولا يمكننى الجزم، بل إن استعادتى لها لا تتم إلا عبر النظر من فوق، من شرفة شقتنا بالطابق الأول. عندما انقطع مددها، وكف قدومها طال وقوفى، صار بلا حد، لا أبلغها من خلالها، مع الغروب وخلو الحارة من المارة، أنثنى الى الداخل، أرتب كلمات العتاب الذى سأبوح به عند ظهورها. غير أن أياما عديدة مضت بلا توقع حتى، بعد عشاء لا يمكننى تعيين موقعه الآن بادرت بسؤال أمى عن البنت اليتيمة التى لم تخلع السواد بعد رحيل والدها. طبعا حرصت ألا يشى صوتى بأى فضول خاص، ليس جديدا تبادلنا أخبار الحارة أو اطلاعها على ما يجرى فى المدرسة، قالت إن قلوب الخلق خلت من الرحمة، صاحب البيت اضطرها الى الذهاب بعد أن توقفت أمها عن دفع الايجار، الشقة كبيرة، وأبوها كان رزق يوم بيوم، لم يترك لهما شيئا.