بداية يمكننا القول أن أي مؤتمر عربي أو إسلامي يهدف إلى دعم القضية الفلسطينية، يعتبر بمثابة خطوة إيجابية نحو ترميم البيت العربي الإسلامي، وبداية التفكير بفض النزاعات الإقليمية البينية، التي لا تزال عائقاً في طريق أي تقدم تصبو إليه كل شعوب المنطقة بلا استثناء. كما أنها تعتبر خطوة نحو تخفيض حجم الخلافات التي تحمل بين ظهرانيها الكثير من الأخطار على كل الصعد والمستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بما في ذلك الأمنية على المستويين الداخلي والخارجي. لكن وبعيداً عن صيرورة وحجم الحشد المشارك والشعارات الكبيرة والمانشيتات العريضة والأمنيات التي نحلم بها جميعاً، يمكننا القول إن أكبر المصائب بالنسبة للفلسطينيين ليست متوقفة عند حدود التقصير من هذا الطرف العربي أو الإسلامي وحتى الدولي وحسب، بل إن الخلافات والمشاحنات، التي تعيشها الساحة الفلسطينية تعتبر بجد العقبة الكأداء، التي كانت ولا تزال تقف حائلاً أمام تطور النضال الفلسطيني المتمثل بانتفاضاته المتلاحقة، وكسب المزيد من الدعم و التأييد المحلي والإقليمي والدولي. خاصة إذا ما علمنا أن الساحة الفلسطينية تزخر بأكثر من ثمانية عشر حزباً وتنظيماً سياسياً، لا يجمع بينها جامع ولا يربط بينها رابط، سوى الكلمة الملحق (فلسطين)، لأنها تقع في حيز الاستطالات ليست الجغرافية فحسب، بل والاستطالات السياسية بكل ما تحمله من خلفيات وتناقضات، والتي بدورها أسهمت بما لا يدع مجالاً للشك في تمزيق وحدة الشعب الفلسطيني، منذ ستينيات القرن الماضي وخفضت من مطالبه الوطنية الواضحة والصريحة. ولعل هذا التنوع الذي غالباً ما نتغنى به باعتباره إنجازاً وطنياً وديموقراطياً، قد خلق لوحة فسيفسائية معقدة لا تحمل حتى حدود الأشياء أو معنيً للتخوم، باعتبار أن كل هذه الفصائل الموجودة على ساحة العمل الفلسطيني إسلامية بجوهرها وقومية بجوهرها أيضاً، ووطنية بانتمائها ؛لدرجة يصعب على المتتبع لحركية هذه القوى أن يفصل بين هذا أو ذاك، إلا بفوارق التسميات التي تختلف بتسمية هنا وتسمية هناك واسم هذا القائد لهذا الفصيل وذاك للفصيل الآخر، بطبيعة الحال دون أن نغفل الشعارات النارية وتنوعها، بعيداً عن حسابات الربح والخسارة التي قد تجرها على القضية برمتها. لكن بصرف النظر عن الصورة المأساوية التي نعيشها نحن الفلسطينيين، يمكنني القول كأحد المشاركين في مؤتمر طهران لدعم الانتفاضة إننا نسخنا تجاربنا السابقة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بحيث انطلقت خلافاتنا من أضعف الحلقات، وهذا ما كان يحصل دائماً، فقد حضرت التنظيمات الحلقية الهامشية الصغيرة، إلى طهران بحساباتها الصغيرة التي لا تتعدى أحلام العصافير، بهدف الكسب الرخيص والذي تمثل بالمزايدات السياسية وبشعارات التحرير الكاذبة والوهمية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ظناً منها أن هذا السلوك وهذه الشعارات قد تزيد من حصتها في كعكة طهران المرجوة انطلاقاً من مفهوم الربح المؤكد ليس إلا. فقد عملت هذه الحلقات الضعيفة انطلاقاً من المزاحمة على الحصة، وليس على الدور السياسي، مما يؤسف طبعاً، إلى تغييب ما ذهبت الوفود المشاركة من أجله، بحيث انتقل الهم من دعم أهلنا في فلسطين بوسائل القوة التي تمكنهم من الاستمرار بانتفاضتهم، إلى التمترس خلف الشعار السياسي، بما يرضي هذا التوجه السياسي لهذا النظام أو ذاك، وكأن القضية برمتها محصورة في دغدغة المشاعر وتلبية الرغبات، لدرجة وصلت معها الوفود المشاركة إلى حالة من الحيرة والحرج، ما بين الآليات التي كانت بالذهن بهدف دعم الانتفاضة وتلبية الرغبات السياسية لهذا الفصيل الفلسطيني أو ذاك. أي بكلام آخر ذهبت هذه القوى وكل واحدة منها تمثل أهداف وأمنيات الشعب الفلسطيني وطموحاته، حتى وصل البعض بأنه أصبح المبشر الوحيد والنذير، وأصبحت كلمة جئناكم من قلب فلسطين هي الكلمة الطاغية على خطابات المؤتمر، علماً أن كل هؤلاء ذهبوا إلى طهران من بيروت ومن دمشق ومن عمان والقاهرة. وأن الذين تحاشوا كلمة جئناكم هم الذين جاءوا فعلاً من لجج النار، وحمأة وطيسها، فقيادات الانتفاضة الميدانيين الذين حضروا، بعيداً عن التسميات، كانوا يراهنون على وحدة الموقف الفلسطيني، ووحدة قيادة الانتفاضة المتصاعدة على أرض فلسطين. كما أنهم راهنوا على مساعدة المنكوبين والمعوزين، دون النظر ولو للحظة واحدة إلى المكاسب الشخصية والفئوية والحزبية الضيقة، وكان جل همهم الخروج بنتائج مرضية تؤدي إلى رص الصف وتوحيد المواقف التي بدورها ستؤدي إلى توحيد المسارات التفاوضية أو الصراعية وتكاملها ببعديها الفلسطيني والعربي وبروابطها الإسلامية. ناهيك عن أنهم جاءوا يراهنون على الانتقال من الحجر إلى الرصاصة، بمعزل عن سير المفاوضات ونتائجها باعتبار التفاوض أحد الأسلحة وليس نهاية المطاف، لكن رغم تلك المواقف الواضحة والصريحة، وكما أسلفنا انطلاقاً من المزاحمة على الحصة والدور، وجدوا من يقف ليضع، العصي بالدواليب، كما يقال باللهجة السياسية الفلسطينية من الحلقات الضعيفة الهامشية، وبدأنا ندور في دوامة البيان الختامي وما قد يتضمنه من تبريكات وشعارات، أقل ما يقال فيها أنها وهمية فضفاضة لا تحمل الا المزيد من اليأس والتيئيس رغم سخونتها وناريتها. لدرجة وصلنا مع هذه الدوامة المصطنعة إلى نسيان ما قد يخرج عن المؤتمر من قرارات وتوصيات قد تصب في دعم أبناء الانتفاضة، وأصبح الهدف الذي أقيم من أجله المؤتمر، ثانوياً هزيلاً لا يرقى إلى مستوى حتى التكاليف المادية التي دفعت للمؤتمرين في الفنادق الفارهة والقاعات الواسعة. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، فبدلاً من أن تكون هذه التنظيمات السياسية ضيفة هذا المؤتمر، والوفود الرسمية والبرلمانية هي صاحبة الحق في اتخاذ القرارات التي تصب في دعم الانتفاضة تحولت إلى كتل متلقية لا حول لها ولا قوة، أمام الصراعات التي دارت بين الفصائل الفلسطينية، حتى إن البعض ظن أننا نعيش، رغم القاعات الجميلة والمكيفة، حرب البسوس، وداحس والغبراء. وأصبحنا نعيش في حيرة من أمرنا لنتوصل إلى السؤال الصعب، إلى متى سنبقى نعيش التشرذم والخلافات التي تخرج من أضعف الحلقات، التي عملت ولا تزال على تدمير الكثير من المكاسب المستحقة للشعب الفلسطيني ليست المادية بل والسياسية من العرب والمسلمين؟ ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق