مهولة ومخيفة تلك الصورة التي نشرتها وكالات الأنباء والصحف العالمية يوم الجمعة الماضي، وهي صورة الرئيس الفلبيني السابق جوزف استرادا مستلقياً على فراش حديدي متواضع في إحدى زنزانات السجن المركزي بمدينة مانيلا، يتأمل من خلال نافذة صغيرة أشعة الشمس الدافئة ويكحل عينيه بنورها الهارب المستحيل. مهولة ومرعبة منزلة ذلك الرجل الذي كان منذ أسابيع قليلة يتربع على عرش دولة آسيوية قوية صاعدة عتيدة لها مكانتها في استراتيجيات العالم ولها حسبان في أجندة البيت الأبيض والكرملين وباريس وبكين ولندن. ذلك الرجل الشامخ المُعْتَد بشرطته وحرسه الخاص والمحاط دائماً بالعشيقات وبرجال الأعمال ورؤساء الدول والمتحصن بقصره الأبلق في مانيلا... فجأة يهوي من علٍ. من القمة، من قمة القمم التي يتحصن فيها الكبار، أولئك الذين يسألون الناس ولا يسألون، يحاسبون الآخرين ولا يحاسبهم أحد. أولئك الذين تأخذهم عزة الحكم في دوخة كبرى فينسون أنهم ذات يوم وبدون مقدمات يفقدون كل شيء. ويتفرق من حولهم المنافقون الذين زيّنوا لهم الخطأ وأوغروا صدورهم ضد الناس البسطاء الطيبين النصحاء وصفقوا لهم بأكف كاذبة خادعة. أولئك البهلوانات من بطانة السوء الذين لا يخلو منهم عرش أو قصر رئاسة، الذين يمدحون ويُضحكون الحاكم ويقولون له الكلام الناعم الذي يريد سماعه ويخدرونه بالمديح الرخيص ويرفعون أمامه عقيرتهم بهتاف: بالروح والدم نفديك يا.... نفس ذلك الهتاف الذي سمعه عام 1989 رئيس رومانيا نيكولاي شاوسيسكو قبل أن يفلت من يديه زمام السلطة ويتقدم منه جندي شاب أصغر من أبنائه فيوثق يديه ويدي زوجته بحبل بسيط ويصطف عساكر ويعدمونه برصاص كان من المفروض أن يحميه. كان ذلك في شتاء ثلجي قارس في ديسمبر من عام 1989 بمدينة بوخارست. ثم جاء دور طاغية آخر هو الرئيس موبوتو سيسيكو الذي أقام على ضفاف نهر زائير امبراطورية الشر والفساد وانتهاك حقوق الإنسان الى حين اقتحمت قوات ثوار لوران كابيلا مدينة كينشاسا وخرج موبوتو طريداً غير مرغوب فيه وصادرت مصارف سويسرا حساباته ومات ملاحقاً بلا وطن وبلا بطانة. وبعدها جاء دور الجنرال سوهارتو الرجل الذي أطاح بولي نعمته الرئيس أحمد سوكارنو صاحب فكرة انعقاد مؤتمر باندنج عام 1955 والذي غيّر استراتيجية العالم بطلوع كتلة عدم الانحياز. ظل الجنرال سوهارتو في الحكم 28 عاماً من القمع والاضطهاد واللصوصية المنظمة الى ان أطاحت به جماهير الشباب الغاضب اليائس وهو اليوم رهين الإقامة الجبرية بعد أن خرست أصوات المطبلين الذين كانوا يهتفون له من تحت قصره: بالروح والدم نفديك. وقبله بقليل شهدت مدينة لاغوس عاصمة نيجيريا سقوط الجنرال ساني أباشا الذي لاحق المثقفين وخنق الأصوات الحرة وطرد الكاتب الحائز على جائزة نوبل سو وولنكا وعاث في البلد فساداً. وبعد ذلك دقت ساعة سفاح البلقان رئيس جمهورية صربيا ميلوسيفيتش ودكت الشوارع الهادرة عرشه المكين وتغير الوضع بانتخاب رئيس شاب وزلزلت أرض بلجراد من تحت أقدام الطاغية وهو يقبع الليلة تلو الليلة في زنزانة بسجن مركزي كأي مجرم عادي وقد سكتت أصوات المؤيدين الى الأبد كأنما بلعتها الأرض. وبعده بأيام دارت الدوائر على رئيس جمهورية البيرو فوجيموري، فالتجأ الى أصوله اليابانية وهو خائف مذعور من أيدي شرطته التي كانت تحيطه للحراسة والأمن وأصبحت تفتش عنه بقصد جلبه للمحاكمة والمرمطة وسوء المصير. وقصص أخرى وأخرى عن رئيس التشيلي العجوز المريض الجنرال بينوشيه الذي قبع رهن الإقامة الجبرية في لندن بسبب مذكرة تفتيش وتحقيق أصدرها قاض اسباني ثم عاد الى وطنه مهدداً بالمحاكمة... أو بسرير في مستشفى الأمراض العقلية والخرفية (نسبة لخرف أرذل العمر). قصص غريبة أصبحنا نعيشها يومياً بالسيناريو نفسه تقريباً: ديكتاتور يهتز عرشه كأعجاز نخل خاوية وشباب يخرج للشوارع لإسقاط أصنام العدوان على حقوق الانسان وسيدة حقوقية جليلة هي السيدة كارلاديل بونتي مدعية الحق الدولي العام بمحكمة الجنايات الدولية، تحمل في حقيبتها ملفات سوداء لممارسات «صعلكة» قام بها أولئك الذين أؤتمنوا على مصائر شعوبهم فاغتصبوها وسرقوها وشردوا معارضيهم أو سجنوهم أو قتلوهم وقاموا بمجازر وقسموا أرزاق شعوبهم بين حفنة من البطانة والأقرباء دون رقيب أو حسيب. نحن نرى التحول المبارك في القانون الدولي... لكنه يبقى تحولاً منقوصاً إذا لم يلاحق شارون وأعداء السلام من حوله، الذين ينتهكون الشرعية في فلسطين ويجددون المذابح النازية ضد الشعب الفلسطيني المسالم الأعزل. نعم لا يزال القانون الدولي انتقائياً وعشوائياً، بالرغم من الخطوات العملاقة التي خطاها على سبيل نظام عدلي دولي عادل وحاسم مؤسس على الأخلاق... لا على الأيديولوجيات. ـ أستاذ الإعلام ـ جامعة قطر