سكين المطبخ ُيمكن أن تُستخدم أيضاً للقتل... ولذا يجب حظر تصنيعها وبيعها! وكذلك أسلاك الكهرباء المنزلية... فهي أيضاً قابلة للاستعمال في توصيلات آلات التعذيب بالصعق الكهربائي في السجون! وكذلك دهان الطلاء فهو يحتوي مركبات كيماوية سامة يمكن أن تفيد في تدبير وتنفيذ عمليات اغتيال! مثل هذا التفكير الافتعالي التعسفي هو الذي يتحكم في السياسة التبريرية التي تنتهجها الولايات المتحدة في التعامل التطبيقي مع نظام العقوبات المفروضة على العراق بهدف غير معلن تماماً هو إبقاء هذه العقوبات سارية إلى أن تقوم الساعة. للأسف هذا هو العزل الخطير الذي تمارسه الولايات المتحدة داخل لجنة العقوبات الدولية لتعطيل الطلبات التي تتقدم بها السلطات العراقية إلى اللجنة لتلبية الاحتياجات الضرورية في المجالات المختلفة لإبقاء الشعب العراقي على قيد الحياة. إن هذه اللجنة الدولية تُمارس عملها على أساس النظام القائم الذي يحكم مجلس الأمن الدولي: فممثلو الدول الخمس الكبرى في اللجنة يتمتعون جميعاً بامتياز حق الفيتو. ويكفي أن يعترض ممثل دولة واحدة منها لتعطيل أي عقد تتقدم به السلطة العراقية في إطار نظام «النفط مقابل الغذاء». الأمثلة تستعصي على الإحصاء. ومن أحدثها أن الولايات المتحدة ومعها بريطانيا رفضتا طلباً عراقياً لشراء أجهزة ومواد من فرنسا بقيمة مليار ونصف المليار دولار. بينها شاحنات مبردة ومضخات ومواد كيماوية... وكلها كما بيّن الطلب العراقي وبيّنت الشركات الفرنسية صاحبة الشأن مطلوبة لتنفيذ برنامج زراعي عراقي لتوفير حاصلات غذائية. فالمضخات مطلوبة لنظام الري، والشاحنات المبردة مطلوبة لنقل الخضر والفواكه من المزارع إلى السوق الداخلية، والمواد الكيماوية مطلوبة لمكافحة الآفات والحشرات التي تهدد المحاصيل. ووجهت كل هذه الطلبات برفض أمريكي داخل اللجنة الدولية معزز برفض بريطاني. فالمضخات المطلوبة ذات التكنولوجيا العالية يمكن أن تستخدم في صناعة صواريخ...! والشاحنات المبردة يمكن أن تستغل لنقل مواد يمكن أن تدخل في صناعة الأسلحة الجرثومية! ومواد مكافحة الحشرات والآفات قابلة للاستخدام في تصنيع الأسلحة الكيماوية! وحتى الآن يبلغ عدد العقود المعطلة بواسطة الولايات المتحدة نحو ألف عقد منذ أكثر من 20 شهراً. حتى التجهيزات والمواد المستخدمة لأغراض تعليمية في المدارس والجامعات معطلة لمختلف التبريرات الخيالية التي يمكن أن يبتدعها ممثل الولايات المتحدة في اللجنة الدولية مما يدخل في إطار «الاستخدام المزدوج»... أي أن مادة ما أو معدات ما للاستخدام المدني قابلة أيضاً لاستخدام عسكري. وهكذا وبناء على هذا المنطق العجيب سوف يبقى الشعب العراقي تحت وطأة العقوبات لأجل غير مسمى... لأنه منطق فضفاض بلا حدود يمكن أن ينطبق على أي شيء وكل شيء. وقد ثبت بالشواهد الفاضحة أن الولايات المتحدة عازمة على مواصلة هذا النهج التدميري الشرير حتى لو انعكست ممارساتها سلباً على مصالح حلفائها الغربيين. فالعقود الفرنسية التي رفضت أمريكياً تربو على ستة آلاف ومن ورائها عدد كبير من الشركات الفرنسية. ولكن يبقى سؤال: لماذا لا تتحرك الدول العربية؟ ليس بدوافع «التضامن» مع «العراق الشقيق» لكن فقط بدافع المصلحة التجارية الصرفة. فمن بين العقود التي يشملها الرفض الأمريكي عقود يطلب بموجبها العراق استيراد سلع متنوعة من مختلف الدول العربية.