لن تحسم قضايا الاعلام العربي طالما ان الكبوة عند مساحات حريته حاضرة بواقعها، متجذرة في القلوب، مرعبة عند الاقدام، وسالبة للاستقرار، وكما يبدو فإننا سنبقى نراوح بجانب تلك الهوة الكبيرة الفاصلة بين الحلم والرجاء فيما لو ظلت مسألة الحرية معلقة في شعرة الميزان الذي لا يستقيم ابداً. فالاعلامي مازال مثار شبهة عند رقيبه ومازال مصدر قلق في المكان، ومازال ينظر اليه كسوسة مسلطة على الاخضر قبل اليابس، ومازال على رأس قوائم من يُنظر في طلباتهم طويلا، ومازالت أوراقه في بعض السفارات والملحقيات والمطارات على لوائح الحجز. ان الشعرة التي دائما تميل كفة الميزان على حساب الاخرى مقلقة وغير آمنة والعمل في محيطها يشبه الارجوحة المعلقة في الفراغ والمطرقة التي لا تطرق الا سندانا واحدا لا يتغير ولا يتبدل. اول ما يفجر حوارات وملتقيات ومنتديات الاعلاميين بعرض الوطن العربي وطوله هي مسألة الحرية، وأول شيء يوقف اي عجلة ترغب في الدوران باتجاه التجديد والتطوير وطرح المفيد هي الحرية نفسها، واينما جلس الاعلاميون الى بعضهم فإنهم لايلوكون الا شأنها، فهي ضالتهم التي ما اهتدوا اليها يوما، وهي فنارهم الذي انتظروا انقشاع الضباب من حوله كي تسير على هداه اشرعتهم. لا شيء قبل ولا شيء بعد انهم دائما هكذا مفروضة عليهم مسألة الحرية اقبلوا ام تمنعوا واينما اقاموا خيمة لدرس الاعلام ستمتشق حناجرهم خناجر الكلمات للحرب معها، لكن يبقى دائما شيء في الظل لا تخترقه الكلمات نفسها ولا تحيله الى فتات لقوت الحقائق. هم هكذا مطلوب منهم ان يصطفوا في طابورها وان كبحت اندفاعاتهم يموتون في دواخلهم سريعا ثم يكملون ما تبقى لهم من ايام في لعن الحقائق نفسها. يعرف ويدرك الاعلاميون العرب وجعهم الدائم جيداً، وهم اعلم الناس بدائه ودوائه لكنهم في البدء مكبلون وفي المنتهى هم معية في المواكب. فلماذا يجتر هذا الكل منهم سؤال الهزيمة الدائم وهم الادرى والاوعى بما في اليم من عتمة؟ ولماذا طاحونة الاعلام العربي وساقيتها لا تدوران الا في الاتجاه العقيم دائماً؟ سؤالان ليسا لهزيمة النفس والروح ولكنهما لطرد الملل وهزيمة التكرار في ساحة تنكشف حقيقتها اكثر من اي وقت مضى. امام الاعلامي العربي ساحة كبيرة للفرجة واخرى للاحلام وثالثة لقبر الحريات كلما عنت على باله ان يكبر فوق الحادث والذي يحدث دائماً. في الدهاليز انفجر احد الصحفيين وكأنه يبكي في داخله قائلا: منذ سبعة عشر عاما ازرع ريش وسادتي في جسد الرقيب، كي يصبح حمامة ويطير من فوق رأسي.. لكن اليأس زرع ريشها على جسدي وطيرني. وفي الدهاليز جحظت عينا احدهم وقال: في العام الماضي استوقفت في ثلاثة مطارات عربية وحقق معي لاني سمحت لموظف الجوازات ان يكتب في خانة مهنتي صحفي!! وفي العام الذي قبله سافرت خارج الوطن العزيز على قلبي فاستقبلني موظفو المطارات هناك بالقبل والابتسام، ثم صرخ هذا الصحفي العزيز بـ «لماذا» كبيرة.. يهدر الكثير من الحديث حول الحرية ومكرها. ولا توجد مساحة صغيرة في الحديث نفسه لاقناع انفسنا بحقيقتها بين خطوط الطول والعرض خلف خط الاستواء وامامه وعلى جانبيه الاخرين.