بقدر ما شغف أبناء الأجيال الماضية بكتابات السيد مصطفى لطفى المنفلوطى، بقدر ما نشأ أبناء جيلى، وهم الآن مكتهلون وقد شارفوا سن التقاعد أو جاوزوه، وهم لا يحبون سيرة المنفلوطى ، ولا يطيقون قراءة ما تخلف عنه من كتابات صحيح اننا كنا نقرأ شذرات من كتاب (العبرات) ومختارات من كتاب (النظرات) المنفلوطية ونحن على عتبات المراحل الأولى من التعليم، لكن الصحيح أيضا أن ضاع من ذاكرتنا كل ما وعيناه وما حفظناه من ضروب التفجع والتأسى والعويل والمنادب أو هى المآتم الأسلوبية التى كان صاحب العبرات ينصبها ويقيمها بين فقرات كتبه وفى طيات سطوره التى كانت فى الوقت نفسه، والشهادة لله، تنضح بلاغة من حيث السبك واشراقا من حيث الديباجة. لهذا حدثتك فى سطور سبقت من هذه الزاوية كيف أصبت بانزعاج شديد حين أراد أحدهم أن يمدح شيئا مما كتبت فى جريدة مصرية كبرى فقال اننى العبد الفقير أذكره بكتابات المنفلوطى، وعلم الله أن (أحدهم) المذكور أعلاه لم يكن قد تجاوز فى مطالعاته مرحلة النصوص فى المدرسة الابتدائية ومن ثم فلم يجد فى قعر ذاكرته ولا فى معجم مفرداته اسما يليق بالمدح سوى السيد مصطفى لطفى الذى طالما استدر الدموع من مآقى السادة والسيدات.. وضع ثلاثة خطوط تحت كلمة (السيدات) هذا بفضل كتاباته التى كانت ملتهبة العاطفة على بؤس الإنسانية وتعاسة البشر والخيبة الثقيلة التى يصادفونها فى حياتهم المفعمة فى رأيه بالغم والهم والشقاء المقيم. لقد استعادت الذاكرة اسم المنفلوطى بعد أن قرأنا مؤخرا فى إحدى الزوايا الثقافية فى «البيان» الغراء تصريحا أدلت به صبية أديبة من تونس الخضراء قدموها على أنها موهبة قصصية نضجت مبكرا واصبح لها اسم معدود بين مبدعى تونس ولما تتجاوز الرابعة عشرة من ربيع العمر. ولما سألوها لمن تقرأ من سادات الأدب فى دنيا العروبة فاجأتنا بأنها لا تقرأ نجيب محفوظ.. لماذا يا كريمتنا العزيزة ؟ لأنه مغرق فى العامية (ولعلها تقصد فى المحلية القاهرية بالذات فالعم نجيب كتب اعماله الباهرة الشامخة بعربية فصحى كانت طوع بنانه وأقرب إلى ملك اليمين). والمهم أن الطفلة التونسية الموهوبة أعلنت أنها تفضل قراءة المنفلوطى، فأثارت فى النفس رغبة فى مراجعة النفس ومعاودة التقييم واستخلاص درس مستفاد يقول بالفم المليان الناس أذواق.. وما لا يعجبك قد يعجب الآخرين.. وأسوأ الأحكام مايصدر عن منطق التعميم.. إلى آخر ما تجود به حالات التفلسف التى تنتابنا فى بعض الأحيان من عبرة ودروس. ومن عجب المصادفات أن تنشر صحيفة مصرية كبرى سطورا قليلة لواحد من كتاب صفحتها الثقافية ولن نذكر اسمه لأنه ارتكب فى مقال أو هو مقيل (تصغير المقال بضم الميم وسكون الياء) أكثر من خطأ معرفى وتاريخى فى آن : قال لنا أن هناك عملية لاعادة تقييم المنفلوطى ولكنه لم يتطرق لحكاية التقييم هذا لا من قريب ولا من بعيد. وقال ان المنفلوطى مات يوم الهول على نحو ما قاله فى رثائه الشاعر أحمد شوقى (اخترت يوم الهول يوم وداع). وهذا صحيح ولكن صاحب المقال أبقاه الله.. قال ان يوم الهول هو وفاة الزعيم سعد زغلول.. وهذا غير صحيح.. فقد مات المنفلوطى سنة 1924 ومات سعد زغلول بعد ذلك بثلاث سنوات (أغسطس 1927) والصحيح أن المنفلوطى رحل عن الدنيا يوم حادثة الاعتداء الفاشل فى محطة القطار بالقاهرة على حياة سعد زغلول وهى الحادثة التى كتب فيها شوقى هائيته البليغة التى شدت بها أم كلثوم من لحن السنباطى وقال فى مطلعها: وفى الأرض شر مقاديره لطيف السماء ورحمانها ونجى الكنانة من فتنة تهددت النيل نيرانها إلى أن يقول عن وشيجة النيل بين مصر والسودان: فمصر الرياض، وسودانها عيون الرياض وخلجانها وما هو ماء ولكنه وريد الحياة وشريانها وربما لم يكن شوقى بك على سعة ثقافته ليعرف أن أربعة أخماس ماء النيل يأتى من الحبشة فيما يأتى الخمس الأخير من السودان، ومن ثم فالوشيجة بين مصر والسودان هى ضفيرة مجدولة من تاريخ ولغة ونضال وتراث مشترك قبل أن تكون مياه نهر النيل العظيم. ورغم أنك تقرأ سطور المنفلوطى فتكاد تحس أنه رجل يمضى ثلاثة أرباع نهاره فى البكاء على ما آل إليه حال البشر وفى التفجع العاطفى على ما يعانون من بؤس وما يكابدون من شقاء.. إلا أن المنفلوطى. وكان من أوائل الكتاب المصريين الذين ذاقوا مرارة السجن وآلام الاعتقال بسبب ما خطته أقلامهم على صفحات الجرائد أو المجلات.. كان ذلك فى أوائل القرن العشرين ويومها ثارت ثائرة المنفلوطى ضد خديوى مصر وقتها عباس حلمى الثانى وربما كان ذلك انتصارا للشيخ محمد عبده الداعية الإسلامى للمنفلوطى وراعيا له حادبا عليه.. كان المنفلوطى وقتها فى نحو الخامسة والعشرين.. وكان الخديوى الألبانى الأصل عائدا من مصيفه بالاسكندرية. ويومها نشرت مجلة (الصاعقة ) لصاحبها أحمد فؤاد الصاعقة كما كانوا يلقبونه قصيدة بعنوان برئ للغاية يرجى التهنئة بعودة أفندينا ولى النعم من مصيفه السعيد وكانت القصيدة العصماء خالية من التوقيع وكان مطلعها: قدوم ولكن لا أقول سعيد وعود ولكن لا أقول حميد غربت ووجه الناس بالبشر باسم وعدت وحزن فى الفؤاد شديد رمتنا بكم مقدونيا فأصابنا مصوب سهم للبلاء سديد فياليت دنيانا تزول، وليتنا نكون ببطن الأرض حين تميد وأسفر التحقيق عن معرفة كاتب القصيدة ورغم أن المنفلوطى كان يتيه بأنه ينتسب كما قال فى مقدمة كتاب النظرات إلى أسرة (مشهورة بالشرف النبوى والعلم والفضل) إلا أن هذا لم يمنع من أن تناوله المحكمة الخديوية حكما بالسجن سنة مع النفاذ أمضاها بالطبع فى عالم السدود والقيود على حد تعبير كاتب سجين آخر هو الاستاذ العقاد.. وهكذا أصبح السيد الشريف ذو الأصل العربى، التركى الحسينى الصعيدى (رد سجون) كما يقول عامة المصريين. ولم تكن تلك نهاية القصة.. فلسوف نستكملها فصولا .. فانتظر.