اتهامات عديدة وجهت للجيش الجزائري على أنه المسئول المباشر عن المجازر التي ارتكبت في الجزائر. وكانت مصادر الاتهام منابر إعلامية غربية تفننت في التعاطي مع الأزمة التي تعيشها الجزائر منذ عام 1991 ، وقد سلطت تلك المنابر الأضواء على المؤسسة العسكرية وشبهتها بمافيا تقودها مجموعة من أشخاص عرفت كيف تحافظ على مصالحها الشخصية. ولكن لماذا التركيز على المؤسسة العسكرية بالذات دون سواها من المؤسسات الأخرى؟ ولماذا توجه الاتهامات للجماعات العربية التي حملت السلاح في وجه الشعب الجزائري وراحت تزرع الموت في صفوفه؟ إن المتتبع للشأن الجزائري سيلاحظ أن هذا البلد الذي قاوم الاستعمار الفرنسي 132 عاماً وقدم ميلوناً ونصف المليون من خيرة أبنائه فداءً للحرية والاستقلال وصنع ملحمة بطولية لا تزال خالدة في الذاكرة الإنسانية سيلاحظ أن الجزائر كغيرها من الدول العربية الفاعلة استهدفت من قبل القوى الدولية الكبرى التي تعرف ما تتمتع به الجزائر من رصيد تاريخي وثروات ومكانة دولية تؤهلها لأن تلعب أدواراً استراتيجية في الخارطة الدولية الجديدة ونفس السيناريو طبق مع مصر التي تتمتع هي الأخرى بمخزون سياسي واستراتيجي يسمح لها من التأثير في الحياة الدولية، وما يلاحظ أن الأزمة الجزائرية تزامنت مع بدايات ظهور بوادر ما سمي بالنظام الدولي الجديد حيث تمكنت الولايات المتحدة الأمريكية من أن تفرض وجودها على الحياة الدولية الجديدة كقوة ليبرالية لا تنافسها عليها القوى الثانوية، وكانت القوى الدولية تعرف أن الاتحاد السوفييتي كان يمثل مظلة للدول العربية وتفكك هذا الاتحاد قلب الموازين الدولية ووجدت القوى الدولية المجال لكي تبعد أية قوة متنامية خاصة القوى العربية من التأثير في الحياة الدولية الجديدة وذلك بإدخالها في مشكلات اقتصادية وسياسية وأمنية، وهذا ما يحصل اليوم مع العديد من الدول العربية فمنها من هو غارق في مشكلات المديونية ومنها من يتخبط في مشكلات أمنية وفي المقابل انصرفت القوى الدولية للاهتمام بمصالحها الدولية ودخلت في تنافس على الأسواق الدولية الجديدة، فبينما حصلت الولايات المتحدة الأمريكية على حصة الأسد في النظام الدولي الجديد وأمّنت مستقبلها في أوروبا وآسيا والمحيط الهادي وسيطرت على معظم السوق الدولية التي أصبحت تحت اشرافها المباشر وذلك من خلال المنظمة العالمية للتجارة التي أسستها لهدف واحد يتمثل في الخوف الذي يكتنفها من احتمال دخول لاعبين جدد حلبة المنافسة الاقتصادية كاليابان والصين وألمانيا الموحدة، وعسكرياً تمكنت الولايات المتحدة من احتواء القوى الدولية كلها وذلك من خلال مقدرتها العسكرية ومن خلال سياسة الحلف الأطلسي الجديدة. هذه السياسة أعطت الولايات المتحدة الأمريكية الحق للتدخل العسكري المباشر في أية منطقة من العالم ترى أمريكا أنها تهدد مصالحها ومصالح حلفائها المباشرين. ولكن على الرغم من أن الولايات المتحدة تعتبر بحكم الواقع الدولي الجديد القوة الوحيدة المتفردة بالنظام الدولي، إلا أنها لا تزال تجد منافسة شرسة في بعض المناطق، وتحديداً المنطقة العربية، فمثلاً فرنسا لا تزال تعتبر منطقة المغرب العربي منطقة نفوذ تابعة إليها ولا ترغب في أن تنافسها عليها الولايات المتحدة الأمريكية أو بريطانيا أو ألمانيا. ففرنسا تعمل جاهدة على العودة إلى المنطقة وبمنطق اقتصادي ومالي بحت، وهي تعرف أن هذه المنطقة واعدة اقتصادياً ومهمة استراتيجياً بالنسبة إليها بحكم موقعها الجغرافي والاستراتيجي، وهذا ما تحاول أن تطبقه مع الجزائر من يوم بداية الأزمة وإلى اليوم وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا تتنافسان على منطقة المغرب العربي وتحديداً الجزائر إلا أنهما متفقان على إضعاف الجزائر من الداخل وإبقائها تحت الهيمنة المالية للمنظمات الدولية وبالذات إضعاف بنية المؤسسة العسكرية لكي لا يتبقى للجيش الجزائري أية فاعلية عسكرية ولا يمكن له التأثير أو لعب أدوار في المستقبل في الصراعات ذات الصلة بالمصالح العربية، فإضعاف الجيوش العربية الفاعلة سيترك الدول العربية في المستقبل من دون مظلة عربية عسكرية يمكن أن تكون عامل ردع لصناع القرار العرب في تعاطيهم مع الصراعات الإقليمية كالصراع العربي الإسرائيلي وهكذا وضعت القوى الدولية وعلى رأسها فرنسا الجيش الجزائري تحت المجهر ووظفت وسائلها الإعلامية وما يسمى بمنظمات حقوق الانسان ونجحت إلى حد بعيد في إقناع الرأي العام الدولي بطرحها الخاطيء وأبعدت الشبهة والتهم عن الجماعات الإرهابية التي فتحت لها أراضيها ووسائل إعلامها وتعلم علم اليقين أن هذه الجماعات هي التي تقف وراء كل المجازر لكنها تتغاضى عن ذلك وراحت هذه المنابر تنشر على صفحاتها الأولى أخباراً عن المجازر الوحشية التي قيل ان عناصر الجيش الجزائري تقف وراءها وأصبح الجيش الجزائري الذي يقال انه وريث جيش التحرير الجزائري الذي يرجع الفضل إليه في إخراج فرنسا من الجزائر في نظر الرأي العام الدولي جيشاً إرهابياً بمعنى الكلمة ولكن خلفية وأبعاد هذه الصورة المزيفة تقف القوى الدولية التي تعرف أن المؤسسة العسكرية في الجزائر حافظت على تماسكها ولم تنهار كبقية المؤسسات الأخرى وحاولت بكل الطرق زعزعة استقرار هذه المؤسسة التي بشهادة الرأي العام الجزائري الذي لا يزال يقدس جيشه ويعتبره مفخرة له أنه جيش حافظ على أمنه وسيادته، ولولاه لكانت الجزائر تعيش اليوم حرباً أهلية لا حدود لها، ومنذ بدايات الأزمة واجه الجيش الجزائري الجماعات الإرهابية بملاحقته إياهم في الجبال والغابات الوعرة ولا يزال يقود حملات التطهير للعناصر الخطرة. وتؤكد الأرقام أن عدد الجرائم في انخفاض مستمر مرة أخرى ـ إلا أن هذه الانتصارات والنجاحات التي حققها الجيش الجزائري في الميدان لم ترض الدوائر الإعلامية الغربية بدليل أنها شنت حملة أخرى منذ مدة قريبة مستعملة ما عرف بكتاب (الحرب القذرة) الذي كتبه في فرنسا أحد العسكريين المطرودين من الجيش والذي تمت معاقبته بسبب تصرفاته التي أساءت للمؤسسة العسكرية. ولكن نحسب أن هذا الجيش الذي عرف كيف يلقّن فرنسا الاستعمارية درساً لن تنساه وعرف كيف ينتصر على أعظم قوة استعمارية بإرادة أبهرت العدو وهذا الجيش الذي وضع نفسه في خدمة القضايا العربية وشارك في كل الحروب التي قادتها الأمة العربية ضد الاحتلال الإسرائيلي سيعرف هذا كيف يقود معركته الداخلية في مواجهة الإرهاب الأعمى الذي أثر على حركة التنمية وأثر على مكانة الجزائر الدولية. فالانتصار في هذه المعركة المصيرية سيعطي الجيش الجزائري قوة إضافية للعب أدوار أخرى وقيادة معارك أخرى كمعركة الحصول على التكنولوجيا ومعركة العرب في البحث عن مكانة لهم في عالم اليوم الذي لا يرحم الضعفاء. ـ كاتب جزائري