إذا تبنت إدارة جورج بوش الابن أجندة اليمين المسيحي الأمريكي، فإن سياستها تجاه السودان في هذه الحالة سوف تكون عملياً امتداداً لسياسة إدارة كلينتون، أي: مواصلة دعم حركة قرنق وقواتها عسكرياً ومادياً ودبلوماسياً ، عن طريق منظمات مسيحية غربية تصنّف نفسها تحت اسم «منظمات غير حكومية» وذلك لضمان استمرار الحرب. وإذا تبنت أجندة النادي النفطي الأمريكي، فإنها سوف تأخذ بسياسة جديدة تهدف إلى وقف الحرب نهائياً وإيجاد حل سلمي للمعضلة القائمة بين جنوب السودان وشماله والتصالح مع الحكومة السودانية وذلك للتمهيد لإحلال استقرار سياسي في السودان عامة، مما يحفز شركات النفط الأمريكية لدخول مجال الاستثمار النفطي الواعد هناك. ومنذ وصول الرئيس بوش إلى السلطة في يناير، لوحظ أن كلاً من الطرفين المتصارعين ـ حركة اليمين المسيحي وتجمع شركات النفط ـ أخذ في حشد قواه وأدوات ضغطه خاصة داخل الكونجرس. وفي هذا السياق يجتذب الانتباه بصفة خاصة أن اليمين المسيحي يولي اهتماماً أكبر لسلاح الدعاية. ففي غضون الشهور الأخيرة اندلعت على نحو فجائي حملة إعلامية في الوسائل الأمريكية وغير الأمريكية قوامها تحقيقات صحفية وأفلام تسجيلية ومقابلات تلفزيونية وتسريبات إخبارية.. كلها تتعلق بجنوب السودان وجون قرنق. وهي حملة صليبية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، تبث رسالة إعلامية تصوّر جنوب السودان وكأنه تيمور الشرقية، وجون قرنق وكأنه مسيح جديد. ومن ثم تربط الحملة بين النفط السوداني ومستقبل شعب جنوب السودان. هنا نرى الرسالة الإعلامية النهائية.. وهي تتكون من عنصرين: أولاً، أن العائدات المالية المتنامية لصادرات النفط تمكّن الحكومة السودانية من تصعيد الحرب، وبالتالي الفتك بالمزيد من مواطني الجنوب.. ثانياً، أن شركات النفط الأجنبية العاملة في السودان تُساعد الحكومة السودانية على انتهاج سياسة «الأرض المحروقة» في الجنوب.. فالحكومة، بناء على طلب هذه الشركات، تمارس عمليات إخلاء جماعي لمجموعات من البشر الجنوبيين في مناطق جديدة للتنقيب النفطي تقع في أراضي جنوب السودان. ما المطلوب إذن من إدارة بوش؟ بناء على الرسالة الإعلامية المسيحية فإن إدارة بوش مطالبة أولاً بمضاعفة دعمها لقوات قرنق لمقابلة تحدي «التصعيد» العسكري الحكومي.. وثانياً، بالضغط على الدول التي تتبع لها شركات النفط الأجنبية لحمل هذه الشركات على إنهاء عملياتها والرحيل من السودان. وفي هذا يبدو من بين ثنايا هذه الرسالة الإعلامية وكأن أصحابها يستقصدون بصورة خاصة شركة «تاليزمان» الكندية وشركة النفط السويدية، باعتبار أنهما تنتميان إلى دولتين مسيحيتين وغربيتين مما لا ينطبق على شركتين أخريين: شركة النفط الصينية وشركة بتروناس الماليزية. والسؤال المطروح بإلحاح الآن هو: ما هو الخيار الذي سوف تأخذ به إدارة بوش؟ إن أقصى ما يمكن أن يقال ان الرئيس بوش نفسه في حيرة من أمره. ومما يجسّد هذه الحيرة أن فريق الإدارة الأمريكية منقسم على نفسه ما بين مؤيد للوبي المسيحي ومؤيد للوبي النفطي. قبل بضعة أسابيع أدلى وزير الخارجية كولن باول ببيان قال فيه: إن الولايات المتحدة عازمة على وقف الحرب في جنوب السودان. لكن السؤال يبقى: هل ذلك هو التوجه الغالب فعلاً داخل فريق الإدارة الأمريكية؟ في كل الأحوال أرى أننا لن ننتظر طويلاً لنعرف الإجابة.