«إنني لم أتغير، وإنما أنتم الذين تغيرتم، لقد كانت هناك حملة تشويه ضدي استمرت لسنوات طويلة وقد سخرت من هذه الظاهرة ولم أرد عليها... نظرتي لعرفات لم تتغير... لم تتغير أنتم تعرفون رأيي ولكنه يقف على رأسهم ولسنا نحن الذين نختار زعيمهم، أنا لا ألتقي معه طالما كان هناك إرهاب، أنا أقول ذلك بشكل واضح». كان هذا جانباً مما صرح به رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون في ثلاثة حوارات أدلى بها الأسبوع الماضي إلى صحف إسرائيلية أكد فيها كلها أنه لم يتغير ولكن الأخرين وعلى رأسهم العرب هم الذين تغيروا وهم الذين يعتقدون أنه تغير. لكن الرجل أكد للجميع أن شارون الذي شارك في كل المجازر والحروب التي ارتكبها الإسرائيليون ضد العرب منذ حرب العام 48 وحتى اليوم لم يتغير. ويكفي أنه حينما تولى رئاسة الحكومة في إسرائيل استطاع ان يوحّد الإسرائيليين في حكومة وحدة وطنية ضد العرب تقوم بحملة إبادة للفلسطينيين على شاشات التلفزة العالمية دون أن تكون هناك معارضة من أحد لما يقوم به، بل إن جنرالاته لا يخجلون وهم يقفون على أطلال منازل الفلسطينيين التي تدمر كل يوم ليقولوا إنهم بذلك يحققون السلام ويريدون السلام، ولكن طبعاً على طريقة شارون. ملف أسود فشارون الذي له تاريخ حافل بالإرهاب والإجرام ضد العرب والذي قام باجتياح لبنان وارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا يتوج حياته العسكرية الطويلة برئاسته للحكومة الإسرائيلية وهو في الثالثة والسبعين ليضيف إلى ملفه الأسود المزيد من الجرائم ورغم أنه يقول للجميع وبالفم الملآن إنه لم يتغير، نجد من العرب بل ومن القادة الفلسطينيين من يهلل للرجل ويقول إنه براجماتي مثل بيجن وهو الذي سيوقّع على اتفاق سلام نهائي مع الفلسطينيين، وإن العرب بحاجة إلى رجل واضح مثل شارون ليقضي على الحالة الضبابية التي سادات في عهد نتانياهو، ورغم أن العرب منذ مؤتمر مدريد الذي عُقد في العام 90 وحتى الآن يعيشون في وهم وضبابية تصريحات المسئولين الإسرائيليين فيما يتعلق بمسيرة التسوية حتى أن بعضهم تحوّل إلى مزايد على المواقف الإسرائيلية إلا ان تصريحات شارون لا تترك مجالاً لأي ضبابية في الفهم. فالرجل أكد في حواراته الأخيرة التي أدلى بها إلى الصحف الإسرائيلية على مدار الأسبوع الماضي أنه لا مجال للضبابية في تصريحاته وأغلق كافة المنافذ على الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين وكل من يأمل بأن يكون له ود أو سلام مع الإسرائيليين، ورد الجميع إلى مربع الحرب الذي يعيش فيه منذ تربيته الأولى ونشأته في أروقة العصابات الصهيونية حيث أكد بوضوح، كما أكدت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في عددها الصادر في الثامن عشر من ابريل الجاري أنه «لا تنازل عن هضبة الجولان، ولا انسحاب من غور الأردن، ولا تسوية في القدس، ولا إخلاء للمستوطنات ولا حتى المعزولة منها، كما أن إسرائيل لن تسلّم الفلسطينيين أكثر من 42% من مساحة الضفة». هذا ما يقوله شارون بوضوح مؤكداً أنه لم يتغير لكن الآخرين هم الذين تغيروا، والذين تغيروا بالفعل هم العرب الذين يأملون من الراعي الأمريكي أن يتدخل حتى لإيقاف استيلاء القوات الإسرائيلية على المناطق (أ) التي من المقرر حسب الاتفاقات انها تخضع بالكامل للسلطة الفلسطينية، لكن شارون كان واضحاً تماماً حينما كشف في حواره إلى صحيفة «معاريف» الإسرائيلية في الأسبوع الماضي بعدما اقتحمت القوات الإسرائيلية مواقع السلطة الفلسطينية في غزة يوم الثلاثاء، فرد قائلاً «هل تعلمون كم مرة قمنا بهذه الخطوة؟ إننا في كل يوم تقريباً ندخل المناطق (أ)». سقوط خيار الحرب إن شارون لم يتغير فيه شيء، لكن العرب هم الذين تغيروا، فهم الذين رفضوا قرار تقسيم فلسطين عام 47 ثم دخلوا في سلسلة من الهزائم مع الإسرائيليين وصلت الآن إلى مرحلة القبول بتسليم كل فلسطين للإسرائيليين مقابل إقامة سلطة يتعرض المسئولون فيها ومبانيها وأجهزتها ورجالها للخطف والقتل والتهديم والملاحقة حتى يوقعوا على ما يريده شارون ثم يصرون على الحديث عن السلام حتى وهم يتعرضون لأسوأ أنواع الإرهاب الإسرائيلي. وشارون لم يتغير فهو يرفض الجلوس مع الرئيس عرفات حتى الآن إلا بشروط مهينة، لكن الرئيس عرفات هو الذي تغير فهو يطلب كل يوم أن يجلس مع شارون وأخيراً يطلب منه الظهور التلفزيوني المشترك ليعلنا انتهاء العنف. والعرب هم الذين تغيروا حينما كانت القمم العربية تعقد لمجرد تهديد إسرائيلي لأمن دولة عربية، ثم هي إسرائيل تفعل بالفلسطينيين ما لا يقل عن جرائمهم التي ارتكبوها ويرتكبونها منذ بدأ شارون حياته الدموية دون أن يسمح حتى لمظاهرة طلابية بأن تخرج لتعبر بلسان عامة الناس عما عجز السياسيون عن التعبير عنه مخافة إغضاب الصديق الأمريكي أو استفزاز المجرم شاون. العرب هم الذين تغيروا حينما أسقطوا خيار الحرب ومن يسقط خيار الحرب فقد أسقط خيار حريته ورفعوا شعار السلام الذي لا تصنعه سوى القوة وليس الضعف الذي يعيشون فيه أو الاستسلام. العرب هم الذين تغيروا حينما تخلوا عن قضية فلسطين التي كانت هي قضية الأمة لتصبح قضية الفلسطينيين وحدهم، بل قضية السلطة المحاصرة بصواريخ شارون ودباباته وجرائمه وجرائم جنرالاته ومن ثم فإن شارون يؤكد أن الآخرين هم الذين تغيروا لكنه لم يتغير. إن شارون لم يتغير وانما الذين تغيروا هم العرب الذين يصرون على الحديث عن شيء لا يعرفه شارون ولا يمكن له أن يعرفه. ... شيء اسمه السلام... لكن الرجل يؤكد لكم في كل أقواله وأفعاله أنه لم يتغير... فهل عقلتم أيها العرب؟ ـ كاتب وإعلامي مصري