لا أعلم لماذا كلما وجدت نفسي أشارك في اجتماع أو أحضر ندوة أو أتابع حواراً مذاعاً أو متلفزاً انتابني شعور بأنني قد شاركت في هذا الاجتماع او حضرت تلك الندوة او تابعت ذاك الحوار قبل هذه المرة، او لعلني رأيت كل ذلك فيما يرى النائم؟ وما كنت احسب ان احداً يشاركني هذا الاحساس حتى ضمّنا ذات مرة اجتماع لمجلس ادارة مؤسسة خليجية مشتركة في دولة خليجية شقيقة، وقد تأخر بدء الجلسة الاولى لتأخر ممثل الدولة التي يعقد فيها الاجتماع وكان مسئولاً مهماً في وزارة الاعلام، وقد بادر معتذراً لدى وصوله الى قاعة الاجتماع معللاً تأخره باجتماع طارئ دعا اليه معالي الوزير فجأة، وقد قبلنا عذره وجاملناه قائلين له: لابد ان في الأمر سبباً مهماً دعا الى عقد ذلك الاجتماع الا ان الزميل العزيز أجابنا بدماثة أخلاقه المعروفة والابتسامة المألوفة التي لا تفارق وجهه: أبداً والله يا إخوان.. إنها الموضوعات نفسها التي نجتمع من أجلها، والكلام نفسه الذي نردده منذ ثلاثين عاماً هي مدة خدمتي في هذه الوزارة، وقد أصبحت أحفظه عن ظهر قلب، ولا أخفيكم انني افكر في طلب التقاعد لأنني مللت سماع الأسطوانة نفسها على مدى ثلاثين عاماً. وقد فعلها صديقنا وتقاعد فعلاً منذ سنوات، وإن كان مازال مستمر العطاء من خلال قنوات اخرى بعيداً عن مسئولية الوظيفة الحكومية، ولعله اكثر عطاء الآن منه قبل التقاعد. تذكرت كلام زميلنا العزيز في أكثر من موقف خلال الأيام القليلة الماضية، كان اولها عندما التقيت صديقاً عائداً من احد الاجتماعات للمؤسسة الخليجية نفسها التي كنت احضر اجتماع مجلس ادارتها قبل سنوات، فإذا به يتحدث بحماس عن برامج وخطط جديدة تم مناقشتها في الاجتماع وسيبدأ تنفيذها قريباً، وعندما سألته مبتهجاً عن هذه الخطط والبرامج متفائلاً بالدماء الشابة الجديدة التي ضخت في الاجهزة المشاركة في هذه المؤسسة اذا بها الخطط والبرامج نفسها التي كنا نناقشها قبل عشرين عاماً لم تخرج عنها قيد أنملة. ومرة ثانية تذكرت كلام الزميل العزيز وأنا أتابع اجتماعات ومناقشات الاجتماع المشترك بين القنوات الفضائية والهيئات المكلفة بادارة حقوق المؤلف والحقوق المجاورة في المنطقة العربية الذي عقد في الامارات، واجتماع مسئولي الاجهزة الاعلامية الأمنية الذي عقد في تونس فاسترجعت عشرات الاجتماعات التي عقدت للتنسيق بين القنوات الفضائية ومئات القرارات والتوصيات التي اتخذتها، ناهيك عن مضابط اجتماعات اتحاد اذاعات الدول العربية بجمعياته العامة ولجانه البرامجية والاخبارية والهندسية المختلفة، ونحن ما زلنا «محلك سر» كما يقولون. المرة الثالثة التي يعاودني فيها هذا الشعور وتعود فيها صورة الزميل العزيز الى المشهد هي هذه اللحظة التي اكتب فيها هذه الاستراحة بين السماء والأرض في الطائرة المتوجهة الى الدوحة حيث يعقد الاجتماع الرابع لرؤساء تحرير الصحف الخليجية، وقد سبقته مؤشرات تبعث على القلق مؤداها انه سيناقش التوصيات والقرارات التي تم اتخاذها في الاجتماعات الثلاثة السابقة التي عقدت في المنامة والكويت ودبي على التوالي، وهي مؤشرات تعطي انطباعاً اولياً لا يخطئه الحس بأننا مقدمون على مناقشة موضوعات سبق ان اشبعناها نقاشاً، ومتابعة توصيات يبدو انها لم تأخذ طريقها الى التنفيذ وإلا لما كان هناك داع لطرحها على بساط البحث والنقاش من جديد. اتصفح الصحف القطرية الشقيقة الصادرة قبل يوم من الاجتماع فأجد فيها ما يخفف من القلق ويبعث على التفاؤل تصريحات للاخوة المسئولين في جريدة «الراية» التي تستضيف الاجتماع تقول ان جدول الاعمال سيركز على بحث وضع آلية لتنفيذ القرارات والتوصيات السابقة حتى يكون لهذه اللقاءات مصداقيتها، وحتى لا تتراكم القرارات دون تنفيذ وتصبح بعد ذلك هذه الاجتماعات غير ذات جدوى وهو الأمر الذي لا يرغبه المجتمعون الذين يحرصون على تفعيل اجتماعاتهم وتنفيذ ما تتمخض عنه من قرارات وتوصيات تعود بالنتائج الايجابية على مسيرة الصحافة العربية الخليجية وبالتالي على ايصال رسالتها الى القراء وخدمة القضايا الوطنية والقومية. تفكير جميل يبدد بعض القلق الذي كنت اشعر به لولا هاتف يشدني الى الماضي حيث العدد الهائل من الاجتماعات النمطية على امتداد رقعة وطننا العربي. يستمرئ الهاتف شدي الى الماضي حتى أخاله متحدثاً يقول: وأي ضير في ذلك طالما كان المجتمعون مستمتعين بما يفعلون؟ ولم الاعتراض والتبرم والامتعاض ما دمت مشاركاً ـ ماضياً وحاضراً ـ في هذه العملية ولا يلوح في الأفق انك عازم على التوقف عنها في المدى المنظور على الأقل بدليل الأمثلة القريبة التي تضربها ويبدو جلياً انك ضالع في المشاركة فيها؟ احاول التفكير في جواب مقنع ادفع به التهمة عن نفسي على الأقل فيجدها مقرّعي فرصة لمواصلة هجومه الذي يستأنفه قائلاً: وهل كنتم تظنون انفسكم قد اتيتم بجديد عندما ناقشتم الموضوعات نفسها قبل عشرين عاماً كما تقول؟ وما ادراكم انها لم تطرح من قبل ولم يتم اشباعها نقاشا؟ اقول وقد استجمعت بعضاً من افكاري: في كلامك شيء من الصحة وقدر غير قليل من التجني الذي لا اريد ان اسميه مغالطة، فأن تطرح افكاراً وبرامج في بدايات الأشياء ويتعثر تنفيذ بعضها لسبب او لآخر فهذا امر متوقع لا يمكن لأحد ان يعتبره عيباً، اما ان تعاود طرح الافكار نفسها بعد عشرين عاماً وكأنك تطرحها للمرة الاولى ثم تغدو مزهواً بما تفعل فهذا هو العيب الذي نتحدث عنه والكسر الذي لا يجبره عذر. يقول محاوري الافتراضي: ولكن لا تنسى ان من يعاود طرح هذه الافكار المكررة ـ كما تسميها ـ اناس آخرون غير الذين طرحوها في المرة الاولى، وربما لم يصل الى علمهم ان هذه الافكار قد سبق طرحها من قبل. اقول وقد أمسكت بطرف الخيط الذي كنت ابحث عنه: وهنا تكمن المأساة ويستشري الداء الذي يهدر من عمرنا سنوات ويبدد جهوداً كان الأجدر ان توجه الى أمور اخرى أكثر جدوى وأعم فائدة، فأين عملية التسليم والاستلام بين الأجيال؟ وأين الاستفادة من تجارب السابقين؟ الا اذا افترضنا ان على من يأتي ان ينسف جهد من مضى ويبدأ من نقطة الصفر لاغياً عمل كل الذين سبقوه ومسفهاً آراءهم. وتلك ظاهرة لا نجدها الا في عالمنا الثالث، والعربي منه على وجه الخصوص. ينتشلني من هذا الحوار الافتراضي صوت المضيفة يتردد في الطائرة طالباً من الركاب العودة الى مقاعدهم وربط الأحزمة استعداداً للهبوط في مطار الدوحة الدولي فأجدني قد سودت عدداً لا بأس به من الصفحات. احساس بالرضا والارتياح يغمر نفسي بعد ان افرغت على الورق فيض الحماسة الذي أخشى عليه من الفتور بعد حضور الاجتماع اما لعاطفة وحب واحترام ومشاعر أكنها للمشاركين فيه، او لتحول في النمط الذي ترسخ في ذهني عن اجتماعاتنا، الامر الذي سيسعدني دون شك وان كان سيلغي مشروع الاستراحة وفكرتها بعد هذا الجهد الذي بذلته في كتابتها حتى هذه السطور. ألملم أوراقي وأعيدها الى مكانها في الحقيبة اليدوية التي غدت جزءاً من ديكور السفر ومستلزماته حتى ولو كانت فارغة الا من أوراق قليلة كهذه. في الجوار ألمح اكثر من راكب يفعلون الشيء ذاته فأخمن انهم ذاهبون ايضاً لاجتماعات الله وحده يعلم الى اي حد تنطبق عليها الفكرة التي ترسخت في ذهني عن كل ما يمكن ان يطلق عليه اجتماع. في الطريق الى دبي عائداً من الدوحة احس بالسكينة وينتابني شعور بالرضا لسببين: اولهما ان الاخوة المجتمعين لم يخيبوا ظني فكانوا اكثر صراحة مني في نقدهم لذواتهم وخشيتهم من ان تتحول هذه الاجتماعات الى مناسبات لأخذ الصور التذكارية وحفلات الغداء والعشاء وكلمات الافتتاح والختام واستعراض مهارات الكلام اما السبب الثاني فهو عدم فشل مشروع الاستراحة والمضي في الفكرة حتى آخر الشوط مع شيء من التعديل اقتضاه الانحياز لزملاء المهنة على أمل ان تتغير الفكرة عن اجتماعاتنا حتى لا نعود نحسبها احلاماً مكررة تتغير ملامح الوجوه فيها ولا يتغير المضمون، وعندها لا يعود أمامنا من حل سوى ذلك الذي لجأ اليه زميلنا العزيز عندما فاض به الكيل بعد ثلاثة عقود من الاجتماعات إياها.