أرجو ألا يكون الاهتمام المشترك بمد جسور جديدة بين موسكو وعواصم العالم العربى مجرد عمل طارئ أو رد فعل لأحداث يتوقف بعدها .. وإنما أن يكون هذا الاهتمام ثمرة إدارة بمدى الخسارة، التى أصابت الجانبين بعد إنهيار الاتحاد السوفييتى وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بزعامة العالم، وبعد مأساة حرب الخليج وما تبعها من آثار خطيرة وتأتى زيارة الرئيس المصرى حسنى مبارك لموسكو فى ختام أسابيع شهدت فيها موسكو نشاطا عربيا مكثفا، بدأت بالرئيس الجزائرى بوتفليقة الذى وقع هناك (اتفاقية الشراكة الاستراتيجية) لتشمل أوجه التعاون الاقتصادى والسياسى والتكنولوجى والعسكرى بين الجزائر وروسيا. وتبعه بعد ذلك مسئولون كبار من عدة دول عربية كان من بينهم وزير خارجية سوريا فاروق الشرع الذى وصل موسكو فى زيارة عاجلة بعد العدوان الإسرائيلى على القوات السورية فى لبنان، وكان من بينهم طه ياسين رمضان نائب الرئيس العراقى الذى ترافقت زيارته (كما حدث من قبل فى القاهرة) مع زيارة رئيس مجلس الأمة الكويتى جاسم الخرافى! ويحمل الرئيس المصرى فى رحلته إلى موسكو تجربة طويلة معها، بدأت وهو يتلقى دورات تدريبية عسكرية هناك أيام إزدهار العلاقات المصرية الروسية، واستمرت وهو يشارك فى إعادة بناء القوات الجوية بمشاركة الاتحاد السوفييتى الكبيرة بعد هزيمة يونيو 67، ثم شهدت فترة التوتر مع وصول السادات للحكم والتى انتهت بطرد الخبراء (السوفييت) من مصر عام 72، وإن لم يمنع ذلك من استمرار (السوفييت) فى تنفيذ عقود توريد الأسلحة التى حاربت بها مصر فى أكتوبر 73 . مبارك من هذه الناحية وحتى قبل أن يتولى الحكم بعد اغتيال السادات كان شاهدا على جزء مهم من تجربة مصر مع الاتحاد السوفييتى ولو من جانبها العسكرى. والحقيقة أن التجربة كانت مهمة وخطيرة منذ بدأت فى منتصف الخمسينيات بصفقة السلاح الشهيرة التى كسرت بها مصر الحصار المضروب عليها من أمريكا ودول الغرب حتى لا تحصل على السلاح الذى تدافع به عن نفسها ضد اعتداءات إسرائيل. وبعدها بدأت تجربة كانت نموذجا فى التعاون المثمر فى كل المجالات. بنت مصر السد العالى بمعونة السوفييت، وقاتلت بالسلاح السوفييتى حتى انتصرت فى أكتوبر، وضمنت مصر حليفا سياسيا قويا ساند القضايا العربية ودعم النضال ضد الاستعمار والاستغلال. فى المقابل استفاد الاتحاد السوفييتى وكسر الحصار الذى كان مفروضا عليه، واكتسب نفوذا وعلاقات سياسية واقتصادية وثقافية مع دول العالم الثالث وحركات التحرر الوطنى. وبالطبع.. لم تخل العلاقات من أزمات فقد رفضت مصر أن يكون للإتحاد السوفييتى دور في العلاقات بين الحكم والشيوعيين في مصر، واستطاع الجانبان أن يحتفظا بالعلاقات بين البلدين في ظل صدامات وخلافات داخلية عديدة، وتغلبت المصالح في معظم الأحوال، واستمر العمل في السد العالى عندما كان الشيوعيون المصريون في السجون، واستمر التعاون العسكرى حتى بعد أن أطاح السادات بالجناح الآخر في الحكم الأقرب إلى تعميق العلاقات مع السوفييت، ولم تنقطع إمدادات السلاح قبل أكتوبر وبعدها رغم طرد السادات للخبراء السوفييت. ولقد تغيرت الأمور بعد ذلك، عندما راهن السادات على الدور الأمريكى وأعلن أن أوراق اللعبة كلها في يد واشنطن. وتدهورت العلاقات بعد كامب ديفيد، وإنحازت موسكو إلى الدول العربية المعارضة لاتجاهات السادات، واستمر تعاونها مع بغداد، ومع دمشق التى كانت تحاول في ظروف صعبة أن تحقق توازنا عسكريا مع العدو الإسرائيلى بعد خروج مصر من المواجهة. وقد انقلب الوضع برمته بعد ذلك، مع إنهيار الاتحاد السوفييتى وتفككه المأساوى، وترجمت أمريكا انفرادها بزعامة العالم في منطقتنا عبر حرب الخليج الثانية التى كرست الهيمنة الأمريكية وأطلقت يدها في مصير المنطقة. وفي الوقت الذى كان العرب يتفرجون على ما يحدث في موسكو، ويبدى بعضهم ابتهاجه بسقوط الدولة التى كانت تنازع أمريكا الزعامة، كانت إسرائيل تتحرك، وكان اللوبى اليهودى يستعيد زمام المبادرة في موسكو، ويخترق حكم يلتسين المتهاوى، ويشارك عبر عصابات المافيا في نهب المؤسسات السوفييتية، ويسيطر على الصحافة والتلفزيون، ويقدم نفسه على أنه شريك أساسى في الحرب ضد المسلمين في الشيشان. لكن وصول بوتين إلى رئاسة روسيا يقلب الكثير من الأوضاع، فهو يحاول اعادة بناء الدولة وترسيخ المؤسسات والقضاء على المافيا، والتفرغ لإصلاح الأوضاع الاقتصادية المتدهورة. وهى محاولات لا تجد تعاطفا من أمريكا التى تريد تأخير اللحظة التى تستعيد فيها روسيا عافيتها، حتى يتسنى لأمريكا إحكام الحصار حولها والسيطرة على بترول وسط آسيا. وفي هذه الظروف تحاول روسيا استعادة بعض دور كان لها في المنطقة والعالم، وإقامة علاقات جديدة تساعدها في الخروج من أزمتها. وفي نفس الوقت يجد العرب أنفسهم في مأزق.. فالرهان على أمريكا يؤدى إلى شئ ومسيرة السلام التى بدأت تحت الرعاية الأمريكية تنتهى بالمذابح التى ينصبها شارون للشعب الفلسطينى، وأمريكا وأوروبا تتفرجان على ما يحدث، وتتركان المجال لكى تفعل إسرائيل كل ما تريد. تدوس على الاتفاقات التى وقعتها، وتشن حرب الإبادة على الفلسطينيين، وتتحرش بسوريا وبلبنان تمهيدا لعدوان محتمل، وتهدد مصر بضرب السد العالى وقصف القاهرة، وتعربد في المنطقة بينما أمريكا لا تجد إزاء ذلك كله إلا إعلان تأييدها لإسرائيل ومطالبة الفلسطينيين بوقف (العنف) ومطالبة العرب بضبط النفس ! وإذا كان البعض يتحدث الآن عن إعادة اكتشاف الروس للعرب، أو اعادة اكتشاف العرب لروسيا، فإن ما يجرى من اهتمام متبادل يؤكد أن الطرفين قد اكتشفا عمق الخسارة التى لحقت بهما في السنوات الماضية.. حيث تحول تفكك الاتحاد السوفييتى وتحولت روسيا من دولة أعظم إلى دولة تعانى البؤس وتحكمها المافيا، وحيث تحول العرب من أمة تطمح لأن تكون القوة السادسة في العالم كما قيل بعد حرب أكتوبر إلى أمة تبحث عن الخلاص من الحصار الجائر المفروض على بعض دولها، وتواجه القوة الغاشمة التى تهدد بتحويل المنطقة إلى مسرح لحرب إقليمية كبرى، وتدرك أن المستقبل في ظل الهيمنة الأمريكية والعدوان الإسرائيلى لا يبشر بخير. ولاشك أن الفرصة متاحة للطرفين لاقامة علاقات جادة تعتمد لغة المصالح المتبادلة. وما أكثرها بين الطرفين.. إن آفاق التعاون الاقتصادى واسعة، والسلاح الروسى أرخص وأضمن، والتأييد الروسى للحقوق العربية قد لا يحقق المعجزات ولكنه يحدث تعديلا في موازين القوى، والمساعى العربية والإسلامية قد تساعد في التوصل لحل يوقف المأساة في الشيشان.. خاصة إذا وجدت روسيا أن استمرار هذه الحرب لا يساعدها في تحقيق التعاون المنشود مع العرب والمسلمين. الفرصة متاحة، وهى تجيء بعد سنوات فقد العرب فيها الكثير ليس في روسيا وحدها، بل مع الكثير من القوى التى كانت تقف فى صفهم وإذا كان العذر مع روسيا أنها كانت تنهار وتتفكك، فما هو العذر فيما فعلناه مع باقى العالم. الصين التى كانت نموذجا في دعم الحقوق العربية، والتى تحقق منذ سنوات معجزة اقتصادية على أرضها، والتى ترتبط معنا بمصالح هائلة تركنا إسرائيل تقيم معها أوثق الروابط السياسية والعسكرية، وتنسج معها تعاونا تكنولوجيا خطيرا، بينما نحن نتفرج.. وننتظر الخلاص على يد أمريكا! والهند أيضا بكل ثقلها البشرى والسياسى، أهدرنا تاريخا طويلا من العلاقات المتميزة معها، واستغلت إسرائيل الموقف (خاصة بعد أوسلو) لتشيع وهما كاذبا بأن السلام قد تحقق والصلح قد تم، ثم تمد جسور التعاون مع الهند في كل المجالات.. ورحم الله أياما وصل فيه التعاون بين القاهرة وبين دلهى حد التفاهم على إنتاج مشترك لطائرات الميج.. تصنع فيها مصر المحركات في مصانعها الحربية التى كانت قد بلغت حدا كبيرا من التطور. وأفريقيا التى قاطعت إسرائيل تضامنا مع العرب، بعد أن جعلنا من فلسطين قضية تحرير وطن إفريقى، فتحت أبوابها واسعة لإسرائيل، قبل أن نفيق أخيرا ونبدأ في التوجه ولو ببطء لإصلاح الخطأ ووضع أسس تعاون عربى افريقى وثيق. لقد بالغنا في وضع المسئولية في يد أمريكا، ومنحنا أنفسنا الاطمئنان الخادع بأن (ماما أمريكا) ستحل لنا كل شئ.. ستحقق السلام، وتعيد القدس، وتضمن الأمن والاستقرار، وتنشر الرخاء على العرب أجمعين. تركنا أوراق اللعبة في يد أمريكا وأهملنا العالم، فبادلنا العالم الإهمال، حتى وصل الأمر بالدول الإسلامية الكبرى أن تغير مواقفها، ويعلن رئيس أندونيسيا مثلا أنه سيقيم علاقات طبيعية مع إسرائيل. وتنفتح أبواب كل العواصم التى كانت مغلقة أمام إسرائيل بعد أن انفتحت العواصم العربية نفسها أمامها، وبدأ سباق الهرولة بين معظم الأنظمة العربية نحو تل أبيب. الآن تبدو الحقيقة المفزعة أمامنا بكل جوانبها إسرائيل تضرب وتبطش وتشن حرب إبادة الفلسطينيين وتهدد بضرب دمشق والقاهرة وأمريكا تعلن أن ذلك كله رسائل موافق عليها من واشنطن وتطلب من العرب أن يحسنوا القراءة وأن يحسنوا الفهم. والعرب لايملكون إلا أن يقرأوا ويفهموا ثم لا يجدون حلا إلا اللجوء إلى أمريكا التى أعطوها أوراق اللعبة والتى تعلن مسبقا على رؤوس الاشهاد. انحيازها الكامل لإسرائيل. هذه هى الأزمة التى نتحمل جزءا كبيرا من مسئوليتها، والتى ينبغى أن نتحرك لمواجهتها في كل المجالات.. ومن بينها استعادة العلاقات مع قوى كبرى كانت في صفنا ثم أهملناها من أجل خاطر ماما أمريكا. ولم تكن روسيا كما أسلفنا هى المثال الوحيد، ولكنها كانت المثال البارز. لأن ما حدث في علاقتنا معها ترافق مع إنهيارها الداخلى وتصاعد النفوذ اليهودى في الحكم خاصة مع وجود يلتسين، ومع فتح أبواب الهجرة لأكثر من مليون يهودى هم الآن الأكثر تطرفا في إسرائيل والأكثر عداء للعرب. والأبواب مفتوحة الآن لعلاقات متوازنة تقوم على المصالح المشتركة لروسيا والعرب، ولابد أن تكون مفتوحة مع قوى أخرى تزداد أهميتها يوما بعد يوم بالنسبة لنا كالصين والهند مصالحها معنا كثيرة وأكثر بكثير من مصالحها مع إسرائيل. والمهم أن نتحرك، وأن يكون لدينا تصور كامل لعلاقاتنا مع العالم.. نعطى فيه بقدر ما نأخذ، ونعرف كيف نستفيد من مصادر قوتنا، وكيف نعالج عوامل ضعفنا، وكيف نمد الجسور إلى أبعد مدى ومع كل من يبادلنا الثقة والاحترام والرغبة فى التعاون المشترك. الطريق مفتوح لعلاقات متوازنة مع العالم كله لا تراعى إلا المصالح العربية. ولكنه يستلزم قبل كل شئ أن نستعيد الكثير من الأوراق التى وضعناها فى يد أمريكا، فأوصلتنا إلى هذا المأزق! وموسكو على الخط.. ولاشك أنها تملك تصورا لدور تريد أن تلعبه فى العالم وفى المنطقة ولعلاقات جديدة تريد أن تقيمها، فهل نملك نحن تصورا مقابلا، وهل نعرف ماذا نريد بالضبط من موسكو وغيرها، وماذا نستطيع أن نقدم لها، وهل نملك رؤية واقعية لذلك كله تبتعد عن العواطف والشعارات، وتتكلم بلغة المصالح التى لم يعد العالم يتكلم إلا بها ؟!