خلال اسابيع قد تعلن ادارة بوش رسميا سياستها الجديدة تجاه مستقبل جنوب السودان. وخلال شهور من اعلان هذه السياسة ـ اذا اعلنت فعلا ـ سوف تدخل قضية جنوب السودان منعطفا تاريخيا فاصلا.. اما نحو حل سياسي سلمي يضع نهاية حاسمة للحرب الدائرة، هناك منذ 18 عاما او نحو مرحلة أشد ضراوة للحرب. وفي كلا الحالين فان النفط السوداني سوف يكون العامل الاساسي المشترك. الرئيس جورج بوش الابن يواجه في آن معا ضغطين من جهتين داخليتين متعارضتين رأسيا فيما يتعلق بمستقبل صناعة النفط في السودان وعلاقتها بالحرب الدائرة. ورغم ان كلا من هاتين الجهتين في موقف يؤهلها للتأثير على توجهات الادارة الامريكية الجديدة بصورة او باخرى الا انه من غير الواضح حتى الان ايهما الأقدر على ممارسة التأثير. لكن من المهم أن نعرف حقيقة الأمر عندما تعلن السياسة الامريكية الجديدة تجاه السودان بموجهاتها وأهدافها. هاتان الجهتان الامريكيتان هما: حركة اليمين المسيحي التي دعمت الموقف الانتخابي لجورج بوش من خلال موقعها المتنامي النفوذ في الانتخابات الرئاسية وتدعمه الان كرئيس من خلال قوتها داخل الكونجرس. اما الجهة الثانية فهي مجمع شركات النفط الامريكية العملاقة الذي يتمتع بنفوذ سياسي تقليدي في كل مستويات مؤسسات السلطة الامريكية بما في ذلك الكونجرس والبيت الأبيض ومجتمع الاستخبارات. وهذا التجمع يمثل الان اعظم ركائز القوة المالية التي تستند اليها ادارة بوش «علما بأن شركة نفط تكساس التي يملكها ال بوش هي احد اهم اعضاء هذا النادي النفطي». الان تتبارى هاتان الجهتان في لعبة شد حبل حول مستقبل جنوب السودان. اليمين المسيحي يحمل اجندة حرب. والنادي النفطي يتبنى اجندة حل سياسي سلمي. لكن هذا الصراع ليس وليد عهد بوش الابن كما قد يتبادر الى بعض الأذهان فجذوره ترجع الى سنتين عندما اكتملت تجهيزات انتاج النفط الخام في السودان واستعدادات الشروع في تصديره الى السوق العالمية. كان ذلك في أواخر عهد ادارة الرئيس بيل كلينتون التي كانت تمارس سياسة عدائية ضد السودان تتكون من عنصرين كلاهما يتعارض مع مصلحة شركات النفط الامريكية بمنعها من دخول ساحة التنقيب عن النفط وانتاجه في السودان. فنظام العقوبات الامريكية المفروض على السودان يمثل خطرا صريحاً على هذه الشركات واستمرار الحرب في الجنوب وتصعيدها وتوسيع نطاقها، كما قضت بذلك سياسة كلينتون، كان في نظر الشركات عاملا سالبا يجعلها تتردد في المخاطرة باستثمارات كبيرة حتى لو الغي نظام العقوبات. على نقيض مجمع الشركات النفطية كان اليمين المسيحي يؤيد بقوة وحماسة هذه السياسة الكلينتونية لأسباب بعضها ايديولوجي وبعضها نفعي، والبعض الاخر، وهو الأهم يتعلق بالسياسة الاسرائيلية في افريقيا من خلال تحالف اليمين المسيحي الامريكي مع اللوبي الصهيوني الامريكي. وعلى الارض، في جنوب السودان، اتخذ هذا التأييد صورة «منظمات غير حكومية» ذات أجندة مسيحية لا تمد قوات قرنق بالأسلحة والمال واللوجستيات.