لا شك ان هناك طرقاً عديدة للخروج من عنق الزجاجة، والتغلب على الاوضاع المريرة التي تجثم على كواهل العرب وتقض مضاجعهم. ولكن جميع هذه الطرق تقريباً، تبقى في عداد التشخيص النظري الذي يتلاشى مفعوله بمجرد محاولة تطبيقه على ارض الواقع العملي. الا ان هذا يجب الا يعني التوقف عن التأمل والتنظير والبحث عن العلاج. ولا يختلف مثقفان مخلصان في ان الحل الجذري الراديكالي لجميع المشكلات التي ننوء بها اليوم، يتمثل في سيادة الديمقراطية وحرية الفكر، والاحتكام الى الحوار العربي الداخلي، بدلاً من الاختصام الساخن وتجاهل الرأي الاخر والتخوين. ولكن التطبيق الفعلي لهذه المبادئ، يحتاج الى جهود خارقة وتضحيات هائلة والى زمن طويل. ولا يجوز لنا ان نبقى ننتظر الفرج على طريقة رواية «في انتظار جودو»، لأن انتظارنا قد يدوم طويلاً، وبالتالي فإن «روما قد تحترق»، قبل ان يعود «جودو»، ان صح التعبير. فلابد والحال كذلك من التفتيش عن حلول انتقالية تكفل تحسين الاوضاع العربية، الى ان يتحقق الحل الجذري الذي لا يمكن ان يأتي الا بعد انبثاق انسان عربي يفكر بطرق جديدة. وسأحاول ان اطرق موضوعاً حساساً يتهيب كثير من الكتاب الخوض في معتركه، ويتهربون من امتطاء صهوته، والابحار في متاهته، ونقصد به العلاقة بين الحاكم والمحكوم في دولنا العربية، اي بين السلطة والشعب. وهذا في نظري من اهم الموضوعات التي يتوجب علينا التصدي لها وطرحها على بساط المناقشة، بطريقة بناءة وتوفيقية وتصالحية. فاذا امكن اصلاح هذه العلاقة في بعض دولنا العربية وتوجيهها نحو المسار الصحيح، نكون قد قطعنا شوطاً نائياً في تحسين احوالنا وايجاد العلاجات للكثير من امراضنا الوطنية، ولعل اغرب الاخطاء الشعبية الشائعة، في الدول المتخلفة، ان بعض الناس اعتادوا على كره الحاكم، حتى لو كانت له منجزات ايجابية واعمال مجيدة، بينما درج بعضهم الاخر، على تعظيمه والتزلف اليه وحرق بخور الثناء تحت اقدامه، مهما كثرت سلبياته واستشرت انحرافاته. ومن جهة ثانية، فإن بعض النخب تتصور ان افراد الشعب، هم رعايا عندها، او اعداء لها، مما يوجب عليها ابقاءهم تحت الضغوط الشديدة حتى لا يشتد عودهم ويتمردوا عليهم. وهذه المواقف جميعها تدل على انعدام الوعي وفقدان البصيرة وغلبة الانفعالية على العقلانية. وهي تؤدي الى قيام صراع خفي او ظاهر بين النخب والشعوب في الدول المتخلفة، على نحو خاص، مما يشكل عاملاً كبيراً في استنزاف طاقاتها وهدر قواها. فبدلاً من التفرغ للتنمية والبناء ومواجهة الاعداء الخارجيين، تبذل السلطة جهوداً جبارة في سبيل احتواء المعارضة وتطويقها وشل حركتها. وفي الجانب المقابل، فإن المعارضين لا يدخرون وسعاً في العمل سراً او علناً، ضد الحكومات. اضف الى ذلك ان بعض افراد الشعب يحاولون التنصل من واجباتهم ومسئولياتهم تجاه الوطن، نكاية بالسلطة، وشعوراً منهم بأن جميع محصلات كدهم وانتاجهم ستصب في نهاية المطاف في خانة مصالحها. ولنا ان نتصور مدى الخسائر التي تلحق بالوطن نتيجة مثل هذه المواقف والممارسات. اما في الدول المتقدمة، فان الصراع بين الحاكم والمحكوم، تتم مواجهته على مائدة الحوار الحر والانتخابات الحقيقية. وعندما تختار اغلبية الشعب زعماءها، فإن حدة الصراع تخف او تختفي، ويتجه الجميع بصورة افضل نحو خدمة المصالح العليا للبلاد، بدلاً من التناحر الداخلي. وكما هو معروف، فإن اي نظام في اي دولة من دول العالم لا يستطيع ارضاء جميع فئات الشعب، وتلبية حاجات مختلف قطاعاته، بل انه لابد ان يرضي بعضها، ويغضب بعضها الاخر. وفي هذه الحالة، فإن الجماعات المستفيدة تتمنى استمرار النظام، بينما تأمل الفئات المتضررة في زواله. واذا افترضنا ان النظام قد تغير مع مرور الزمن، فإن الانموذج نفسه يتكرر، مع تغيير نماذج الفئات المستفيدة والمتضررة.. وهكذا دواليك. ومن هنا، فإن مجرد حلول نظام مكان نظام اخر، لا يحل مشكلات الوطن، على المدى البعيد، فلابد والحال كذلك، من البحث عن حلول عملية اخرى. وفي هذا المجال، يمكن على الاقل، السعي الى تحقيق تفاهمات ومصالحات بين النخب الحاكمة والشعوب، والى اقامة نظم تشترك فيها معظم الفئات السياسية او جميعها، وتمثل مختلف الطوائف والمذاهب والملل، في احسن التقديرات. فالحكم الائتلافي، اذا امكن الوصول اليه، يضعف الصدامات الداخلية، وما يتبعها من استنزاف الطاقات الوطنية. وعلى كل حال، فإن اوضاعنا السياسية كعرب تختلف عن اوضاع كثير من الدول ولكن من بين ما يمكن اللجوء اليه، للوصول الى بعض بقع الضوء العملية، تشكيل مجموعات سياسية جديدة ذات ميول معتدلة واتجاهات توفيقية، لتقوم بمهمة التقريب والتوسط بين النخبة الحاكمة والمعارضة. وكما نعلم، فإن لكل من هذين الطرفين، مصالحه وتصوراته واجتهاداته. لذلك لابد من دراسة هذه الاتجاهات، ومحاولة ايجاد مرتكزات واسس للتوفيق بينها، والعمل على صياغة قواسم ومبادئ مشتركة تحقق مصالح السلطة والشعب في آن واحد. ولا ريب ان رجال الفكر والقلم والشخصيات الوطنية المعروفة بسمعتها الحميدة، لا رجال السياسة المحترفين، هم الذين يجب ان يشكلوا الاعمدة الفقرية للمجموعات السياسية المقترحة. واعتقد ان بروز طبقة سياسية جديدة للتوسط بين النظام والشعب، يمكن ان ينطوي على فائدة عظيمة لكلا الطرفين، وان يشكل حلقة اتصال وتواصل بينهما. واذا كان النظام تعسفياً، فإن الطبقة الجديدة تستطيع ان تخفف من غلوائه، وتتجه به نحو التعقل والاعتدال، بدلاً من الاشتطاط في دروب الظلم، وهذا النهج قائم بالفعل، ولكن على نطاق محدود جداً، وبطريقة غير علنية او صريحة. فهناك في بعض البلدان العربية، مثلاً، شخصيات سياسية وفكرية معروفة باختلافها مع النظام القائم ومعارضتها له، ومع ذلك نجدها تتعاون معه، بهدف تحقيق مكاسب للشعب. ونعتقد ان من الضروري تشجيع هذا المسلك واخراجه من بوتقة الغموض والتهيب والتردد، الى فضاء رحب من الوضوح والصراحة والعمل المنظم. ونعتقد ان نجاح التجربة المقترحة التي تقوم على اساس ايجاد قواسم مشتركة لتحقيق مصالح الفئات الحاكمة والشعوب، في آن واحد، سوف يعد سابقة سياسية عظيمة، من شأنها ان تسفر عن مصالحة نسبية بين الحاكم والمحكوم في كثير من دولنا العربية، تؤدي الى تكريس كامل القوى والطاقات والموارد نحو التحديات الخارجية، بدلاً من استنزافها في صراعات داخلية. ـ كاتب سوري