كلما لاح في الافق ما يوحي بتهدئة في انتفاضة الفلسطينيين ضد اسرائيل برز عامل جديد يساهم في استمرارها واندلاعها. في كل ما نرى من مواجهات نجدها تتحول بفعل الحدث الى منعطفات كبيرة. فلا الآلة العسكرية الاسرائيلية الحادة قادرة على ايقاف الانتفاضة كما ثبت حتى الان، ولا محاولات الفلسطينيين للتهدئة قادرة على التحكم في ايقاع الانتفاضة ولغتها بمعنى اخر اصبح الحدث اكبر من صانعيه واكبر من الذين يواجهون آلياته. ان هذا النمط من الثورات تعبير عن الغضب التاريخي الذي يتعاظم مع كل سيل للدماء ومع كل مواجهة. ان تداعيات هذه الاوضاع سوف تستمر الى ان يقع تغير جذري في موازين القوى، وهذا امر لن يكون ممكناً في المدى القريب، فهناك توازن جديد مفاده مقدرة الفلسطينيين على آدامة الانتفاضة وتحمل الآلام التي تنتج عنها، وعدم مقدرة الاسرائيليين على سحق الفلسطينيين كما حصل في حروب ومواجهات سابقة. بين هذا وذاك يقع التوازن الجديد والصعب. ويكتسب تصريح وزير الدفاع الاسرائيلي بن اليعازر قيمة خاصة. فقد اكد منذ ايام بأن الوضع يتوقف الان على اي من الطرفين سوف يتعب قبل الاخر، مؤكداً من جانبه ان اسرائيل لن تتعب من هذا الوضع. وبينما يرفض الاسرائيليون فكرة تغيير اساليبهم وسياساتهم الاستيطانية والتوسعية حتى الان فإن الفلسطينيين في الجهة المقابلة لن يكونوا البادئين في التراجع وذلك لطبيعة الظلم التاريخي الذي وقع عليهم، ولطبيعة التجربة التاريخية التي مروا بها ولشعورهم انهم في طريقهم لنيل حقوقهم التاريخية. ويبدو ان المجتمع الفلسطيني قد حسم امره لصالح تحمل الاوضاع الصعبة والقاسية الناجمة عن هذا الوضع الجديد وذلك في اطار الامل بتحقيق نصر. ويقف وراء الاصرار الفلسطيني على متابعة الانتفاضة القناعة ايضاً بأن الانتفاضة حققت بعض التوازن مع قوات الاحتلال هذا التوازن هو الاول من نوعه في تاريخ الصراع، وقد يكون المفتاح لردود فعل اسرائيلية كبيرة وغير متوقعة وخطيرة، ولكنه قد يكون المفتاح لتراجعات اسرائيلية قادمة تفتح المجال لتسوية عادلة. بمعنى اخر يقف وراء الموقف الفلسطيني في الانتفاضة القناعة بعجز الحل العسكري الاسرائيلي، وبعدم مقدرة اسرائيل على فرض ارادتها بالقوة. وقد جاء الموقف الامريكي الذي ادان التوغل الاسرائيلي في مناطق السلطة الفلسطينية والذي ادى الى انسحاب اسرائيل الفوري من الاراضي التي اقتحمتها، ليؤكد بداية وجود توازن في عملية المواجهة بين اسرائيل والفلسطينيين بمعنى ان التوازن بين اسرائيل والفلسطينيين محكوم الان بخطوط حمر تضعها اوروبا وتؤكدها الولايات المتحدة وتدعمها الدول العربية بمعنى اخر ان فكرة قيام اسرائيل باعادة احتلال الاراضي الفلسطينية التابعة للسلطة الفلسطينية لن تكون نزهة اسرائيلية كما لن تكون مقبولة دولياً اضافة الى انها قد تساهم في اندلاع قتال قد يمتد للعالم العربي. ان جوهر المسألة الفلسطينية الان هو في ايقاف اسرائيل لعنفها، وقبولها بايقاف الاستيطان وعملية توسيع المستوطنات في كل من القدس وفي اراضي السلطة الفلسطينية. ان التهدئة والتفاوض في ظل الاستيطان لم يعودا ممكنين، لهذا فكما تعلن اسرائيل بأن التفاوض في ظل العنف غير ممكن، فإن الجانب الفلسطيني بامكانه ان يؤكد بأن التفاوض في ظل الاستيطان (وهو نمط اخر من العنف) غير ممكن. ان التوازن بين قوى الانتفاضة وقوات الاحتلال سوف يبقى هذا الصراع في حالته المفتوحة. بمعنى اخر سوف يكون قدر الفلسطينيين خوض معركة غير متكافئة في ظل ظروف صعبة وفي ظل محاولة فرض تراجع على اكثر الحكومات الاسرائيلية تعصباً وتوحداً. استاذ العلوم السياسية بجامعة الكويت