هل سمعتم عن محطة تلفزيون روسية يطلق عليها «إن تي في» (NTV)؟ اراهن ان القلائل من العرب وغيرهم يتساءلون عن الضجة الاعلامية حول هذه المحطة النكرة التي اثارتها ولا تزال تثيرها فضائية «سي إن إن» الامريكية العالمية وأخواتها. إن السر وراء هذه الضجة هو تلك الحقيقة الاساسية التي تحرص وسائل الاعلام الغربية على تفادي البوح بها الا اضطرارا وعلى نحو هامشي لا يستلفت الانتباه كثيرا. ذلك ان «إن تي في» مؤسسة يهودية صهيونية تعمل داخل روسيا كمنشأة خاصة خارج سلطات الدولة. وسبب اثارة الضجة الغربية حولها هو ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قرر، ضمن برنامجه السياسي لتحجيم النفوذ اليهودي في روسيا على طريق استعادة المجد الروسي الذي ضاع بضياع الاتحاد السوفييتي، أن تستولى الدولة على هذه المحطة التلفزيونية. واذا كانت «إن تي في» نكرة خارج روسيا فهي ليست كذلك داخلها، فالمحطة ببرامجها الترفيهية التي ينفق عليها ببذخ، صار لها شعبية عريضة ومتنامية تفوق الاقبال الجماهيري على المحطة التلفزيونية الحكومية. لكن ما دعا الرئيس بوتين للتحرك ليس البرامج الترفيهية التي تبثها «إن تي في» وانما البرامج ذات الطبيعة السياسية فالمحطة تستثمر استقلاليتها كمؤسسة خاصة بعيدة عن السيطرة الحكومية ويهوديتها المرتبطة بالحركة الصهيونية في الغرب لبث خط دعائي ثابت عن طريق البرامج السياسية الاخبارية ينطلق من الاجندة الاساسية الغربية تجاه روسيا والمستقبل المراد لها. وفجأة انطلقت الضجة الاعلامية الغربية الشرسة مستهدفة الرئيس بوتين عندما تقدمت الحكومة الروسية بدعوى ضد الملياردير اليهودي الروسي صاحب المحطة فلاديمير جوسينسكي على اساس اتهامات تتعلق بالذمة المالية، واستطاع جوسينسكي الفرار ولجأ الى إسبانيا، وبعد أن فشلت السلطات الروسية في مسعاها القانوني لحمل السلطات الاسبانية لتسليمه لجأ الملياردير الى اسرائيل حيث يبقى هناك حتى هذه اللحظة علما بانه يتمتع بالجنسية الاسرائيلية اضافة الى الجنسية الروسية. وفي هذه الاثناء لم تستول حكومة بوتين على المحطة فحسب، بل شرعت ايضا في سن تشريع يحظر على رأس المال الاجنبي تملك مؤسسات اعلامية داخل روسيا. وعلى خلفية الضجة الاعلامية الغربية المتصاعدة ضد روسيا هرع ملياردير يهودي آخر الى موسكو لمحاولة اقناع الحكومة الروسية ببيعه جزءا من اسهم «إن تي في» ولا ينبغي ان يكون مثار دهشة ان هذا الملياردير اليهودي، وهو امريكي الجنسية، هو تيد تيرنر صاحب شبكة «سي إن إن»! والقصة في اجمالها ليست بمعزل عن سياق التطورات السياسية الخطيرة التي افضت عند نهاية عقد الثمانينيات وبداية عقد التسعينيات الى تفكيك الاتحاد السوفييتي، فقد كانت الآلية الرئيسية لعملية التفكيك هي تدمير جهاز الدولة المركزي بنزع المؤسسات الاستراتيجية عن ملكية الدولة، في عهد الرئيس جورباتشوف، لبيعها الى اصحاب رؤوس اموال خاصة، وليس من قبيل المصادفة ان غالبية هذه المؤسسات انتقلت الى ايدي مليارديرات يهود، فالحركة الصهيونية العالمية كانت في قلب المؤامرة التاريخية العظمى لتدمير الكيان السوفييتي.