كل شئ في الدنيا لغة.. لون الزهرة لغة.. ورقة الشجر لغة.. همسات الموسيقى لغة.. وجه المرأة وجسدها لغة.. دموع الأطفال.. تخطيط الشوارع.. خطوات الرقص الشرقى.. طريقة الاستشهاد في فلسطين.. تقديم الاستجوابات البرلمانية.. أسلوب تقديم البرامج التلفزيونية.. كلها لغات مختلفة.. بعضنا يجيد فك رموزها.. وبعضنا يبدو عاجزا عن التفاهم بها.. بل يبدو عاجزا عن التفاهم حتى مع المقعد الذي يجلس عليه.. والقميص الذي يلبسه.. وبرغيف الخبز الذي يأكله. إن اللغة بكل أشكالها وشفراتها تحاصرنا من جميع الجهات.. حتى أن العالم يبدو أحيانا وكأنه محكوما بالفاصلة والنقطة والهمزة.. لكننا كثيرا ما نجبر على استخدام لغة لا نعرفها.. وفي هذه الحالة يسقط جسر التفاهم بيننا وبين الآخرين.. وتنكسر علاقتنا بهم.. فعلاقة الحب بين رجل وامرأة تفلس عندما تموت اللغة بينهما ويعيشان حالة الخرس العاطفى.. والتوتر القائم بين العرب والاسرائيليين هو تعبير عن فشل لغة التفاهم بالكلام على موائد المفاوضات.. فعندما لا نفهم لغة القرنفلة تسود لغة القنبلة.. والانصراف عن متابعة كاتب في صحيفة هو تعبير مباشر من القراء يعني بأنه يكتب بلغة ميتة أو منقرضة.. يكتب بلغة غير قابلة للتداول.. أو يكتب بلغة انتهت مدة صلاحيتها.. وعندما تحول مؤشر (الراديو) من محطة اخبارية الى محطة اخبارية أخرى.. فهذا معناه التحول من لغة مغطاة بالنفاق الى لغة تبرق بالحقيقة.. وعندما تترك فيلما من منتصفه فهذا يعني أن صانع الفيلم وأبطاله يتكلمون لغة سينمائية غير التي تفهمها أو تريدها.. وعندما تندمج في برنامج تلفزيوني يشدك من أوله الى آخره بما في ذلك الفقرات الاعلانية التي تقطعه فهذا معناه أنه قدم نفسه باللغة المناسبة.. إن كل تناقضات العالم وصراعاته ومشاكله ومكاسبه وخسائره كلها سببها اللغة بمفهومها الواسع الذي نتحدث عنه. لقد ربح البرنامج التلفزيوني (من سيربح المليون) ملايين المشاهدين من (الشارقة) على الخليج (العربي) الى (طنجة) على المحيط (الاطلسي) في فترة قصيرة.. تكاد تكون خاطفة.. لأنه يعرف اللغة التلفزيونية الحديثة في صناعة البرامج وتقديمها.. إن نجاح هذا البرنامج هو نجاح بالليزر.. حسب لغة العصر الذي نعيشه. وهو نجاح يدعمه قبول غير مسبوق من مختلف الأجيال داخل الأسرة الواحدة.. إنني وابنتي الصغيرة (مى) نظل مشدودين أمام البرنامج دون أن يتسلل الملل الينا.. ودون أن نفكر في البحث عن قناة أخرى تقدم فيلما مثيرا.. أو مسلسلا دراميا تعودنا على متابعته.. ولا جدال أننا نشعر بالضيق عندما يقطع البرنامج بالاعلانات.. وتسيطر علينا رغبة ملحة في رحيلها.. وعندما ينتهي البرنامج فإن ما جاء فيه من مواقف انسانية وأسئلة حرجة يصبح حديث الناس عبر الهاتف.. (هل كنت تعرف أن محمد علي باشا كان ألبانيا؟).. (هل رأيت كيف تراجع الضيف عن الاجابة الصحيحة ووقع في الفخ النفسي الذي وضعه فيه مقدم البرنامج؟).. هل كنت تعرف شيئا عن الديانة الشنتوية التي يدين بها الغالبية العظمى في اليابان؟).. وهكذا.. يظل الناس مع البرنامج حتى بعد أن ينتهي.. وهي أكبر علامات نجاحه.. ولا أقول لك بعد ذلك.. كيف يرى الناس برنامجا ساذجا اسمه (هرم الأحلام) يقدمه الممثل (عزت أبو عوف) يتصور صانعه أنه يقدر على منافسة برنامج (من سيربح المليون).. وقد سمعت عن هذا البرنامج قبل أن أراه.. سمعت عن براعة مقدمه (جورج قرداحي) وأسلوبه المؤثر غير المتوتر.. سمعت عن طريقته الدرامية الناعمة غير الصاخبة في إضفاء القلق على ضيوفه دون إحراج ودون إحساس بأنه انتصر عليهم.. وسمعت عن الموسيقى المثيرة التي تضفي غموضا بوليسيا على البرنامج دون أن يفقد عنصر المرح.. وكأنك تتابع فيلما من أفلام المغامرات يقوم به (جيمس بوند).. وسمعت عن الديكور غير التقليدي الذي يزيد من الغموض والاثارة.. حيث يجلس الضيف ومقدم البرنامج على مقعدين مرتفعين وكأنهما صديقان يجلسان بمفردهما في سفينة فضاء.. وأمامهما أجهزة (الكمبيوتر).. بينما الجمهور في الظل وكأنه غير موجود.. لا يظهر إلا عندما يحتاج الضيف الاستعانة به.. وعندما شاهدت البرنامج رأيت أكثر مما سمعت.. رأيت صورة ملونة مجسدة للصناعة التلفزيونية الثقيلة في عصر (العولمة) والشركات متعددة الجنسيات والمنافسة الشرسة التي تهدد صناعة (الميديا) المحلية في عقر دارها.. وتسرق منها جمهورها وهي غائبة عن الوعي في برامج ساذجة تفور برغاوي الصابون والكلام الذي لم يعد أحد يسمعه أو يصدقه. إن (برنامج من سيربح المليون) مثل سندوتش (ماكدونالدز) وسيجارة (مارلبورو) والسيارة (تويوتا) ولبان (تشكلتس) ومثل أي سلعة شهيرة يرخص انتاجها في أي مكان في العالم يجب أن يخضع الى مواصفات دقيقة وموحدة في كل المحطات التلفزيونية التي تقدمه محليا أو اقليميا.. مهما كانت لغتها التي تتكلمها.. ونوعية الجمهور الذي تتوجه اليه.. وطبيعة الشركات التي تموله.. فكما أنك تأكل نفس سندوتش (ماكدونالدز) بنفس مكوناته وبنفس ورق تغليفه في أي مكان في العالم.. وكما أنك تركب نفس سيارة (تويوتا) بنفس تصميماتها وكمالياتها في أي مكان في العالم.. فإنك تشاهد نفس برنامج (من سيربح المليون) بنفس الديكور والموسيقى والاضاءة وطريقة جلوس الجمهور وطريقة اختيار المتسابقين وأسلوب تقديمه وربما بنفس الثياب التي يرتديها مقدمه في 28 دولة حتى الآن.. ولا تزيد الفروق عن فروق بسيطة واجبارية.. مثل اللغة.. والاعلانات المحلية التي تموله. لقد بدأت فكرة هذا البرنامج في رأس إحدى شركات الانتاج التلفزيونية الأمريكية.. هي التي صممت كل ما فيه.. ورسمت تفاصيله على الورق.. وحددت ميزانيته وأرباحه وطريقة تمويله بدقة.. ثم عرضته على محطة (NBC) التي اختارت لتقديمه أحد نجوم المنوعات فيها هو (ريجبى) الذي اشتهر بتقديم برنامج (ريجبي وكاسيلى) وهو برنامج يدخل فيه (ريجبى) وصديقته (كاسيلى) في حوار عفوي.. غير معد.. وغير مرتب.. مع الجمهور.. يدور في كافة شئون الحياة.. من النكتة الى الجريمة.. ومن السياسة الى السياحة.. وقد وصلت شهرة (ريجبى) الى حد أنهم صمموا ثيابا ولعب أطفال وفرش أسنان باسمه.. ووصل سعره الى خمسة ملايين دولار في العام. والواضح هنا أن المحطة التلفزيونية لا علاقة لها بانتاج البرنامج.. هي فقط التي اختارت من يقدمه.. ثم تركته للشركة المنتجة لتعيد صياغة صورته بصورة تناسب البرنامج الجديد الذي يحمل اسم (من الذي يريد أن يكون مليونيرا؟).. الشركة المنتجة هي التي نفذت ما نراه على الشاشة.. ثم ما أن نجح البرنامج على المستوى القومي الأمريكي حتى كانت هناك محطات تلفزيونية أخرى في دول مختلفة تطلب شراء حقوق انتاجه وتنفيذه.. بنفس الشروط والمواصفات على طريقة اللبان والهامبورجر والبيتزا.. فكان أن تدخلت الشركة المنتجة حفاظا على سمعة منتجها في اختيار من يقدم البرنامج.. إن من السهل تنفيذ الديكور ووضع الموسيقى وترتيب الأسئلة.. لكن من الصعب اختيار مقدم البرنامج.. لذلك فإن الشركة المنتجة تختبر بنفسها كل المرشحين لتقديمه من قبل المحطة التلفزيونية المحلية التي تريد البرنامج.. هي التي تراجع توافر المواصفات المطلوبة في مقدم البرنامج.. مثل ابتسامته البسيطة الواثقة.. وطريقته في ادارة الحوار.. ولحظات الصمت التي يلجأ اليها.. وأسلوبه في تقديم الضيوف.. ومساحة الحوار الشخصي معهم.. وقدرته على اضفاء الهدوء والتوتر معا.. وهناك أيضا مواصفات شكلية.. ولذلك قد نجد شبها ما بين (ريجبى) الأمريكي و(جورج قرداحي) العربي الذي يقدم النسخة العربية لمحطة MBC) ). وتحصل الشركة المنتجة على نسبة تصل الى 40% من قيمة الاعلانات العالمية التي تأتي الى البرنامج وتحصل على نسبة تصل الى 60% من قيمة الاعلانات المحلية التي تأتي الى البرنامج.. وهو ما يعني أن الفكرة التلفزيونية هي الأصل في النجاح.. وليس مجرد الحشو.. والرغى.. وطول فترات الظهور على الشاشة الصغيرة.. لقد حققت الشركة المنتجة من وراء هذا البرنامج في آخر سنة ما يزيد على 450 مليون دولار.. وهي أرباح تقترب من حصيلة اعلانات التلفزيون المصري بكل قنواته وبرامجه دون الأخذ في الاعتبار نفقاته العالية التي تزيد على ذلك بكثير. إن الفكرة المبتكرة وطريقة تنفيذها باتقان والحرص على أن يظل مستوى تنفيذها عاليا هو أصل النجاح المادي والمعنوي في صناعة (الميديا).. فكرة صنعت الشبكة الا خبارية (C.N.N) وجعلت هناك من يحاول تقليدها.. وفكرة صنعت القنوات التلفزيونية المتخصصة وساعد نجاحها على تقليدها.. وفكرة صنعت شهرة برامج (التوك شو).. برامج الحوار والمواجهة الكلامية التي داسها كل من هب ودب وجعلها ماسخة.. خالية من الدسم.. وفكرة ألغت المسافة بين المحطات التلفزيونية الفضائية والمحطات التلفزيونية الأرضية.. فنجاح برنامج (من سيربح المليون) وهو يبث على محطة فضائية جعل كثيراً من المحطات الأرضية ومنها القناة الأولى في التلفزيون المصري حسبما سمعت تسعى الى عرضه وجذب المشاهدين اليها من خلاله. من يملك الفكرة يملك القوة والسيطرة والثروة.. خاصة في الصناعة الثقيلة التي تحكم العالم وتسيطر عليه الآن.. صناعة المعلومات و(الميديا).. وخاصة في ظل قوانين حماية الملكية الفكرية المعروفة باسم اتفاقية (التريبس).. فطبقا لهذه الاتفاقية لن يستطيع التلفزيون المصري مثلا أن يقتبس فكرة برنامج في تلفزيون آخر أو ينقل الديكور أو الموسيقى أو أسلوب التقديم إلا اذا دفع ثمن ذلك.. وفي ظل فتح السموات والقنوات والحرية العريضة أمام المشاهد فإن البرامج التلفزيونية قد أصبحت مثلها مثل باقي السلع والخدمات الأخرى.. لو لم يكن المنتج المحلي ملائما.. فلا مفر من الاستيراد أو الحصول على حقوق انتاج نسخة محلية.. كما هو الحال في البرنامج الذي نتحدث عنه. إن معظم أفكار برامجنا التلفزيونية هي أفكار ليست من ابتكار معديها.. بل هي صورة (فوتوكوبي) من برامج سبقتها فى الخارج.. فبرامج الحوار هى برامج تلعب فيها الثرثرة دور البطولة.. وهى تعتمد فى أغلب الأحيان على وجود شخصيات كثيرة تتكلم فى موضوع لا أول له ولا آخر.. ومن ثم فإن ما يقال هو فى النهاية ما يسمى (حوار طرشان).. وبرامج المسابقات هى برامج ساذجة تعتمد على توجيه سؤال الى الناس فى الشوارع مقابل جائزة تافهة تكون فى معظم الأحيان جنيها واحدا.. ولا أريد أن أفضح أحداً فأقول أن بعض الاجابات التى تقولها المذيعة هى اجابات خاطئة.. ولا طعم مميز إلا للبرامج التى تعتمد على شخصية من يقدمها..مثل برنامج (رئيس التحرير) الذى يقدمه (حمدى قنديل).. وبرنامج (حديث المدينة) الذى يقدمه (مفيد فوزى).. وكلاهما من خارج (ماسبيرو).. وقد حاول (حسن حامد) بنفوذه الادارى رئيس قطاع القنوات المتخصصة ثم رئيس اتحاد الاذاعة والتلفزيون أن ينافسهما.. ببرنامجه الذى يحمل فى عنوانه اسم (القاهرة).. لكنه سقط من أول حلقة.. ولحقت به (سناء منصور) رئيس قطاع القنوات الفضائية.. ووضع على برنامجها أكثر من (خط أحمر).. وهو ما يعنى أن المناصب هى التى تصنع البرامج.. وليس العكس.. وهو ما يعنى أيضا أن القدوة غائبة فى صناعة البرنامج التلفزيوني.. فإذا كان رب البيت موظفا.. فشيمة أهل البيت عبادة البيروقراطية.. وتقديس (ختم النسر). إن درجات السلم الوظيفى لا تزال هى التى تصنع قيادات (الميديا) فى مصر.. ومن ثم فإن أى حركة جديدة فى التعيين والتقاعد تعنى صراعا جديدا بين القيادات كما هو الآن.. ومهما كان الجهد المتبقى بعد ذلك فإنه لا يكفى لتقديم برامج تصلح لمنافسة ما يأتى من الخارج.. أنا مع استيراد الكتب والصحف والمجلات والأفلام والبرامج التلفزيونية الجديدة.. فهى لن تمتعنا وتفيدنا فقط وإنما قد تعلم أهل الشأن أيضا.. ولعلها تخفف من صراعهم وادارتهم البيروقراطية التى هى فى الغالب مادة مثيرة للصحافة الفنية. والمؤكد أن هناك من سيخرج ليهاجم شراء حقوق عرض برنامج مثل (من سيربح المليون) فى التلفزيون المصري.. وهناك من سينفخ ريشه ويؤكد أنه قادر على تقديم برنامج أفضل منه.. وهناك من سيتباكى على دورنا الريادى.. وهناك من سيضع يده على جيوبنا ويذكرنا بأزمة الدولار.. كل هذا سيحدث.. وربما أكثر منه.. لكن.. رغم ذلك فهى فرصة لأن يشاهد كل المصريين الذين لا يملكون أجهزة الاتصال بالفضائيات برنامجا ممتعا مفيدا.. فهذا حقهم.. وهى فرصة لأن ندرس كيفية صناعة البرامج الثقيلة.. كيفية انتاجها.. وكيفية اختيار كل صغيرة وكبيرة فيها ببراعة ورشاقة.. ليس من أجل المنافسة فى التصدير.. وإنما من أجل الاكتفاء المحلى. إن الذى لا يعرفه كل خبراء التلفزيون فى بلادنا أن برنامج (من سيربح المليون) هو برنامج يكسب تدفق الاعلانات اليه.. ويكسب نسبة من تكلفة الاتصالات التليفونية التى يجريها المشتركون فيه.. وما يكسبه من الاعلانات والاتصالات يفوق ما ينفقه على سفر المشتركين فيه الى (لندن) واقامتهم فيها بالاضافة الى ما يربحونه من مبالغ طائلة بكل مقاييس البرامج التلفزيونية. ألم أقل أن الأفكار الجديدة تربح كثيرا. كاتب مصري