برغم انها ظاهرة شاذة وغير صحية، إلا ان اتساعها وانتشارها بين افراد المجتمع جعلها من الامور المسلم بها، أو التي اعتاد المجتمع على التعايش معها بكل سيئاتها، اعني بها ظاهرة الديون التي تثقل كاهل الكثيرين من الرجال والنساء في المجتمع، وتجعل امور حياتهم على غير ما يرام، بل وتؤثر حتى على صحتهم النفسية والجسدية باعتبار ان الدين همّ بالليل والنهار، أو كما يقال في الامثال: لا شيء يجلب الهموم مثل الديون. ولكن لماذا تتفشى هذه الحالة بهذا الشكل المؤسف؟ اعرف شابا ـ هو من مئات الشباب مثله ـ وقع ضحية طيبته وشهامته فكفل شخصاً اجنبياً في البنك لقاء قرض معين وبين ليلة وضحاها هرب الاجنبي بالاموال مخلفا تركة محترمة من الديون على كاهل هذا الشاب الذي لم يكن سوى موظف بسيط في الشرطة، وبما ان المدين وهو البنك يقف منتصباً على ارض القانون مطالبا بأقساط القرض من الكفيل فما على الدائن وهو هنا الشاب المواطن سوى ان يخر راكعاً على ركبتيه دافعاً قيمة القسط الضخم جدا من راتبه الشهري. هذا الشاب حسب علمي ظل يدفع أقساط دين ذلك الوافد الهارب سنوات طويلة، ابيض فيها شعر رأسه وتهالكت صحته، وترك عمله متقدما بطلب تقاعد ليتسنى له الحصول على راتب التقاعد وليتفرغ لوظيفة أو مهنة اخرى، اعتقد بأنها ستجلب له دخلاً محترماً يعينه على محنته، ولانه ذو تعليم بسيط جدا، فقد اختار ان يعمل سائق تاكسي فكان كل راتبه يذهب لسداد القرض، ومايحصل عليه من دخل التاكسي يستعين به على اعالة اسرته الكبيرة جداً. ومع مرور السنوات لم يكن هناك امل في الخلاص، فالدين بدل ان ينتهي وقيمة القرض بدل ان تتناقص فإن الامر كان يسير باتجاه معاكس، لقد كان القرض يكبر والفوائد تتزايد، ومعها تتزايد مصاعب الرجل واشكاليات حياته، ولم يفهم معادلات القروض البنكية والقروض المركبة والنسب غير المفهومة التي تترتب على عدم التزامه بالسداد في التاريخ المحدد فكان يدفع اضعافاً لما هو مقرر، وبالتالي فربما تضاعف القرض من (450) الفاً إلى (900) الف درهم دون ان يدري!! مثل هذا الشاب كما قلت كثيرون، يقعون في شباك النصب فيندفعون لكفالة زملاء لهم أو اشخاص غرباء تعرفوا عليهم في ظروف مختلفة، لكن هذه الشباك تقودهم الى ما لا تحمد عقباه فإما الى قيد ابدي يكبلهم وينغص حياتهم وهو (الدين) واما الدخول في غياهب السجون وهذه مصيبة اخرى لاتقل عن الاولى. هذا جانب واحد من اسباب الديون، لكن للديون اسباب اخرى معروفة لنا جميعاً. واسباب الديون لا يختلقها الانسان لنفسه ولا يسعى اليها، لكنها تفرض عليه احياناً، ويقع ضحية اختلال الانظمة والقوانين والاوضاع المجتمعية احياناً أخرى، فهذا الانسان يقترض ليبني مسكنه، ويقترض ليتزوج ويقترض ليوفر اثاث المنزل، وليشتري سيارة، وليسافر وليساعد اسرته، وليدخل مشروعاً تجاريا يحلم به، وليشتري اسهم شركة معينة يرى انها ستنقله الى عالم المليونيرية فتدخله نادي المديونية الى الابد، ويقع ايضا ضحية اعلانات المصارف المغرية والتي تداعب احلامه الصغيرة بشكل تصور له قرضاً وكأنه مشوار بسيط الى مصرف انيق ومحترم والوقوف امام موظف ذي ابتسامة رقيقة واستلام رزم من الاموال يسيل لها اللعاب فإعلان يقول لك تعال لنقرضك 20 مرة ضعف راتبك اعلان مغر بكل المقاييس فعلاً.. ولكن ماذا بعد مغادرة المصرف حاملا الاموال؟ هل يحتاج الامر الى توعية، الى حملة وطنية لمساعدة ضحايا الديون، الى برامج جماهيرية لانقاذ شباب يرزحون في السجون نتيجة هذه الديون؟ الى وقايات وعلاجات قانونية؟ الى محاربة مسلكيات استهلاكية قاتلة؟.. نحتاج لذلك، واكثر.. وما على اصحاب المهام والمسئوليات سوى المبادرة.