رسم سيرة حياته ان يكون ذكيا، هكذا الله خلقه، فاجتهد ان ينمي موهبته، يتعلم ويعلم، يفهم في شئون الطبيعة التي ينتمي لها، كذلك في علم السماء ونجومها، وأيضا في تطبيب الامراض الظاهرة والمستعصية الغريبة، ونفس الانسان وتقلباتها. وسار في الارض يسبقه اسمه ومنذ صغره ينادونه «الشيخ الرئيس» يداوي في الطب والسياسة والفلك والفلسفة والتاريخ والموسيقى والرياضيات. كان موسوعة متحركة في زمن كانت فيه حرفة العلم لها مكان الريادة، فشرف العالم عند العامة والملوك ان يكون في الصدارة، منزلته مع العظماء، يهابون ويقدسون علمه. لكن صفحة حياته التي زينتها فطنته وذكاؤه في شتى العلوم والمعارف، كتبت فيها سطور كثيرة من الشقاء والعذاب، فترف لذة مصاحبة الامراء في نعيم القصور، قابله المبيت في عراء الصحراء التي يتجمد كل من عليها بردا في ليالي الشتاء، ويكاد الساير يذوب من حرّ أيامها الصيفية. جرّب ابن سينا التحرك فيها، في مواسمها المتقلبة مسافرا زاده الخوف، يمشي فيها وحيدا اياما وليالي طويلة. اقترب منه الجنون فيها، عندما مات رفيقه المسيحي بين يديه من قسوة ريح سمومها الرملية، ونفقت عندها خيله وجماله من شدة الظمأ وطول المسير. ذاق السجن، وأغار عليه اللصوص والقراصنة، ودخل المعارك وهرب من بلد إلى آخر بعيد، يبحث عن الطموح والأمان. عاش متقلبا في دنيا الملذات، وناسكا متعبداً، زاهدا بالعيش في نهاية عمره. وقبل أن يموت ترك ثروة توزن بالذهب، مئتان وستة وسبعون مؤلفا، هي من أعظم وأهم الكتب التي تعلمت منها البشرية في عصورها المختلفة. بعضها فتح آفاقا واختصر مراحل من البحث والاستكشاف والتجريب وتحديداً في علم الامراض. فلولا الشيخ الرئيس، لتأخرت الانسانية دهورا طويلة. سيرة هذا العالم هي موضوع رواية كتبها «جيلبرت سينويه» وهو روائي فرنسي ولد في مصر، نهاية الاربعينيات من القرن الماضي، تأثر بحياة الشرق وتاريخ هذه الامة، فوضع هذه الرواية التي تحمل اسم ابن سينا أو الطريق الى اصفهان، وترجمها الى العربية آدم فتحي. تتحدث الرواية عن سيرة ابن سينا على لسان تلميذه وصاحبه الذي رافقه في اسفاره ابوعبدالله الجوزجاني، في جو الرواية تداخل بين حالات يصف فيها الشيخ الرئيس حاله أو الاوضاع التي يكون عليها، وبين نقل الجوزجاني للحدث الذي يكون فيه معلمه. اختار سينويه او الراوي الجوزجاني أن تبدأ مقامات الرواية وبطلها في بداية مرحلة الشباب، عمره لم يبلغ الثامنة عشرة، يمارس الطب على جارهم المريض، وكانت بداية النجاح في التعرف على الداء ومداواته، اما شهرته فانطلقت مع المرض العضال الذي أصاب الامير نوح حاكم مدينته بخارى، والذي عجز عن علاجه اطباء القصر وزملاؤهم من مناطق مختلفة مثل سوريا. استطاع ابن سينا التعرف على العلة، فالمغص الحاد وحرقة المعدة والشلل الجانبي الذي أصاب الحاكم، كان بفعل القدح الذي يشرب منه، تسبب له في تسمم بالرصاص. صدم الاطباء الزملاء لتشخيص الطبيب الشاب وسخروا منه في البداية، لكنه منح فرصة بأمر الحاكم لتجريب علاجه بعد أن فشل الجميع. وتم ان تعافى الامير المريض وعاد من حالة الاحتضار التي كان عليها الى الحياة من جديد. وعندما عادت عافيته، قرّب الامير نوح الشيخ الرئيس وطلب منه ان يتمنى ويحلم، فكل ما يخطر على باله مجاب، أليس هو السبب في عودة الصحة والحياة له؟. اختار ابن سينا من عرض النعيم هذا، ان يفتح له الأمير ابواب مكتبة السامانيين الملكية، التي لا يدخلها سوى الاشراف والاعيان. تعجب الامير من طلبه السهل، فأعطاه ما تمنى وزيادة، وكانت سعادة ابن سينا لا توصف بهذه الهدية الثمينة، فأقبل على الكتب ليله ونهاره. تغير الحال بعد زمن قصير، فصدور خاصة الامير ضاقت بهذا الرجل الجديد المقرب من الحاكم. ومع واقعة احتراق المكتبة الملكية الذي كان كارثة كبرى، هرب ابن سينا مع رفيقه الطبيب المسيحي. نتابع مقامات عديدة وهي تصف هجرة الشيخ الرئيس من خراسان الى تركستان، يجوب دراجان وكركانج الى جرجان يبحث عن صديقه البيروني في بلاط صائد السماني. قبل أن يصل اليه عاش في بلاط الامير ابن مأمون تسع سنوات، ألف فيها بعض كتبه، الا ان النعيم لم يدم أكثر من ذلك، فحدث ان طلب الامير التركي محمود الغزنوي جميع العلماء والفنانين من اراضي الخلافة، للاستقرار والحياة عنده في غزنه. ابن سينا الذي رفض الأمر، ان يكون في خدمة الاتراك، قرر ان يغادر مدينة الخوارزمشاه ابن مأمون. غضب الغزنوي من هذا التصرف، وأمر أن يؤتى بالشيخ الرئيس حياً أو ميتاً، وطلب من اشهر الرسامين، رسم صورة ابن سينا، ونسخها اكثر من مرة، وإلصاقها في مختلف المدن والمعابر بحثا عن هذا العاصي. تتوالى احداث الرواية، تتحدث عن المطاردة في كل أرض، وهروب ابن سينا نحو المجهول، وصوله الى الري وقربه من الملكة الحاكمة شيرين وولدها الامير الصغير شرف الدولة، تمرس اكثر في الطب من خلال التجارب ومعالجة المرضى ولكن الاستقرار لم يدم طويلا، ما ان بدأت الحرب على الحكم بين الأم وولدها واستعانتهما بقوات خارجية التي هي جيش الغزنوي الذي جاء لنجدة الامير الصغير ومن ثم استقرار قواته في البلد حتى بدأت رحلة هروب ابن سينا. وهكذا تتواصل حياة الشيخ الرئيس مقامات وتجارب وحكايات حتى يصل الى اصفهان. قاريء الرواية يلاحظ تركيز سينويه الفرنسي على حكايات اللذة والفساد عند ابن سينا والاغراق في وصف تفاصيلها، وايضا محاولة شد انتباه القاريء الى معلومة ان جذور ابن سينا يهودية من ناحية الأم، الأمر الذي سبب له عقدة لازمته طوال حياته. في النهاية تبقى الرواية عملاً شيقا يحمل رائحة المكان والزمان وتاريخ شخوص صنعوا هذه الحضارة. سيرة عالم جليل نفتقد امثاله في هذا الزمان.. في هذه الأمة.