في ظل مجمل الظروف التي تحيط ببنية انتفاضة الأقصى المباركة تنذر الأفق بواقع جديد يرتسم على خطين متقاطعين، الأول: استمرار الانتفاضة وفرض تأثيرها على أية مفاوضات يمكن أن تجري بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. وهذا الشرط مرتهن بدعم عربي كبير وجديد للانتفاضة وإعادة إحياء التأييد الشعبي العربي الذي رأيناه مع بداية هبة الأقصى، وبذلك نضمن القوة التفاوضية للفلسطينيين حتى وإن كان ذلك عبر مبادرة ما، كالمبادرة المصرية ـ الأردنية على سبيل المثال، كما يمكن أن توظف هذه المبادرة عربياً كي لا تترك السلطة الفلسطينية وحيدة في حلبة المفاوضات وتضطر إلى تقديم تنازلات لا يرضى عنها العرب، وبالتالي لا تستفيد الانتفاضة من هدفها. وفي الخط الثاني يمكن أن تكون التنازلات هي بداية الخط التفاوضي نتيجة لأزمة اقتصادية بدأت تعيشها الأراضي الفلسطينية في ظل التدمير الشامل الذي تقوم به إسرائيل وتسعى إلى ذلك الهدف المعلن في حكومتها وهو القضاء على الانتفاضة بالوسائل العسكرية لفرض شروط القوة على أية مفاوضات مستقبلية. وفي تداخل هذا التعقيد بين الخطوط جاءت المبادرة الأردنية ـ المصرية محاولة تقديم حل للقضية الفلسطينية، ولكن هذا الحل أصبح مرتبطاً بموافقة الحكومة الإسرائيلية كي تدخل في المفاوضات، وظل هذا الدخول يبدو من خلال شكلين تعتمدهما إسرائيل كنتيجة علنية ظهرت بوادرها في حكومة شارون، بل في ترشيح نفسه لرئاسة الحكومة مع الصمت الذي رأيناه في حزب العمل وخسارة ايهود باراك رئيس الوزراء السابق تلك الخسارة المعروفة قبل حدوثها. إن أبرز ما يميز البناء الحكومي الإسرائيلي الآن يشكلان يصبان في المصلحة الصهيونية من خلال رئيس الوزراء أرييل شارون الذي اتخذ المدفع والدبابة والصاروخ والطائرة عنواناً له كي يقمع الانتفاضة ويتمسك بلاءاته المعروفة والمعلنة قبل فوزه في الانتخابات وبعدها. وبمقابل هذا الاتجاه يبدو أن وزير الخارجية شيمون بيريز هو المنظر لعملية السلام والناطق الرسمي باسم الحكومة الإسرائيلية كي تبدو هذه الحكومة «حمامة سلام» أمام الرأي العالمي في حين يتعامل شارون بالحقيقة المطلقة لإسرائيل وهي «وحوش إرهاب وإجرام». ويمكن أن نقرأ هذا الشكل الثنائي من خلال ردود الفعل على المبادرة المصرية ـ الأردنية التي لا يمكن أن توافق عليها إسرائيل ـ دون تعديل ـ وفي ذلك عودة إلى شروط شارون نفسها والتي أعلنها مبتدأ بإيقاف الانتفاضة بمسماها الحقيقي كي يفكر في الدخول إلى بهو المفاوضات طالباً بذلك الاستسلام من الفلسطينيين وتقديم ما يرغب على طبق من ذهب. وهو بذلك يرفض أية مبادرة قبل أن تكون هناك مبادرة، بل إنه قطع الطريق على المبادرة الجديدة دون أن يعلن ذلك صراحة في لعبة واضحة توجه إلى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة شعباً لا حكومة. وفي قراءة للمبادرة المصرية ـ الأردنية فإن أهم نقاطها ترتكز على وقف الاستيطان الصهيوني فوراً في الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس المحتلة. وتنفيذ تفاهم شرم الشيخ والاعتراف بالاتفاقات التي وقعت بين السلطة الفلسطينية والحكومات الإسرائيلية السابقة لاستئناف المفاوضات من النقاط التي توقفت عندها أي إعادة الأوضاع لما كانت عليه قبل الثامن والعشرين من سبتمبر 2000، والوصول من خلال المفاوضات إلى حل نهائي. وضمن هذه النقاط العامة والمعروفة فإن ردود الحكومة الإسرائيلية تمثلت بداية برفض شارون ثم طلبه مهلة دراستها مع تحفظات عليها يمكن قراءتها بأنها ترفض الأفكار الرئيسية في هذه المبادرة ولكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تظهر نفسها عدوة للسلام أمام العالم، فقال رعنان جيسين، المستشار الإعلامي لشارون: «إن إسرائيل لا ترفض المبادرة وإنها تدرسها». وكذلك عبّر عن الموقف ذاته شيمون بيريز، أما شارون الذي «يدرسها»، كما عبرت عن ذلك الأوساط الإسرائيلية، فله شأن آخر يختلف تماماً عن أي جوهر من خصائصها فهو متمسك باتفاق مرحلي طويل الأمد، إذن لا يريد حلاً نهائياً ويرفض العودة للمفاوضات من حيث توقفت، كما يطالب بالمسائل الأمنية قبل كل شيء وعلى رأس هذه المسائل إلزام السلطة الفلسطينية بإيقاف الانتفاضة التي يسميها العنف والإرهاب!! والمسألة تبدو هنا خارج إطار المنطق السلمي الذي يدعو له وزير خارجيته شيمون بيريز ويتبجح بسلام لا يتفق أبداً مع رؤية شارون، بل يصر بيريز «إعلامياً» أن شارون يريد السلام!! وهذه المعادلة البسيطة من رؤية أفق المبادرة المصرية ـ الأردنية تبدو أكثر وضوحاً في حملة الاستيطان التي يقودها شارون وحكومته، علماً أن المبادرة طالبت قبل كل شيء بالإيقاف الفوري للاستيطان، ولكن منطق شارون هو المنطق الذي يريد تجديد معادلة قديمة تتمحور حول الورقة الرابحة التي تتخذها أية حكومة إسرائيلية لدعم موقفها سواء في اليمين أو اليسار، وذلك بتنفيذ رؤية بن جوريون حينما وصف فكرة الاستيطان بأنها «روح إسرائيل وإكسير ضمان وجودها» وضمان الوجود عند شارون يأخذ بعدين جديدين إضافة لإبعاد مقولة بن جوريون. ويتركز هذان البعدان عند شارون بضمان وجوده في مرحلة رئاسته لوزارته الحالية والمقبلة وتنفيذ أحلامه السابقة التي يستطيع من خلالها الضغط على السلطة الفلسطينية وجعل المستوطنات أمراً واقعاً كونها تشكل محوراً للوجود الإسرائيلي في أراضي الضفة والقطاع، وتنفيذ مخطط القدس الكبرى الذي يضم حوالي 15% من الضفة وهو مخطط ما زال قائماً منذ عام النكسة 1967. وقراءة في الرد العملي الإسرائيلي على المبادرة المصرية ـ الأردنية فيما يتعلق بالاستيطان، فقد بدأ شارون رده بعد تسلمه رئاسة الوزراء مباشرة. وظهر ذلك واضحاً بعد عودته من زيارة الرئيس الأمريكي جورج بوش حينما أعلن عن بناء مدينة جديدة جنوب القدس في بيت لحم وتحديداً في قرية سخالين ووضع مخطط لتحويل موقع عسكري يدعى «ناحال جباعوت» إلى مستوطنة. وهذا الموقع يتوسط مستوطنتي «بيتار» و«آلون شافوت» مما يجعل الأمر جغرافياً بؤرة ثلاثية متصلة تمتد إلى مستوطنة «تسور هداسا» التي تقع ضمن أراضي 1948. ويجدّ شارون ببناء 3 آلاف وحدة استيطانية بالقرب من مستوطنة «هارحوما» على جبل أبوغنيم، وفي ذلك متابعة لمخطط باراك الذي لم يستطع تنفيذه حينما كان رئيساً للوزراء، ولا تقتصر حكومة شارون على بناء هذه الوحدات، بل إن المخططات الإسرائيلية مستمرة لتشكل تحدياً واضحاً لأية حلول نهائية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، فوزير البنى التحتية «أفيجدور ليبرمان» من حزب إسرائيل بيتنا وهو حزب من الروس يعتبر امتداداً لليكود جدد ما سمي بـ «خطة النجوم» وهي خطة شارونية اقترحها بداية التسعينيات تتركز على إقامة كتل استيطانية على خط التماس أعلن عن إقامة ست منها، وبالطبع فإن تحديد خط التماس يتم وفقاً للتصور الإسرائيلي الذي يسعى إلى توزيع الأراضي على اليهود مجاناً وإقامة المستوطنات داخل أراضي 1967. والمخطط الأخطر والأحدث ما نشرته الصحف الإسرائيلية عن إقامة مشروع جديد كلفته 37 مليون دولار ينتهي عام 2004 عن أنفاق وجسور، ويربط ستين مستوطنة إسرائيلية في باب الساهرة «الحي الإسلامي» في القدس، وبالتالي الحي اليهودي والمستوطنات في سلوان مروراً بالحي الأرمني، إضافة إلى ذلك إقامة «متنزه» فوق سطح سور البلدة القديمة يشكل نقطة الالتقاء بين الأحياء الأربعة في البلدة القديمة (الإسلامي، المسيحي، الأرمني، اليهودي) وهذا المتنزه مساحته 5 آلاف متر مربع. وهذا جزء بسيط من المخطط الصهيوني كي يسيطر سيطرة كاملة على القدس، ويمكن أن نقرأه قراءة ديمغرافية من خلال مستوطنة واحدة هي «معاليه أدوميم» فهي مقامة على جبل أبوديس شرق مدينة القدس وفي وصفها الحالي فإن مساحتها بلغت أكثر من ضعف مساحة تل أبيب، والمعروف أن تل أبيب يسكنها أكثر من 45% من الإسرائيليين، ولكن في معاليه أدوميم 24 ألف مستوطن وهذه المساحة الكبيرة جداً، وفي هذه المستوطنة بدأت إسرائيل بإقامة مجمع جديد مساحته 150 دونماً يشمل مناطق سياحية وترفيهية. وما يمكن ملاحظته من هذا الجزء من التوسع الاستيطاني الصهيوني أن إسرائيل لم تعد تقيم وزناً لأي اعتراض أوروبي، لأن الاتحاد الأوروبي يرفض مخطط إسرائيل الاستيطاني، ولكن بذهاب شارون إلى واشنطن يبدو أنه قد أخذ الضوء الأخضر من الرئيس الأمريكي جورج بوش. والمفارقة أن بوش الأب قد رفض هذا المخطط الاستيطاني وأوقف على إثره المساعدات المالية الكبيرة لإسرائيل التي كان شرطها التوقف عن الاستيطان!! ولكن الحكومة الإسرائيلية الحالية رأت أن تباشر مخططها هذا ليكون الجزء الأهم من هروبها المباشر، إذا ما عرضت عليها أية مبادرة للسلام سواء أكانت هذه المبادرة عربية أم أوروبية أم أمريكية أو حتى روسية، وهي بذلك تحاول فرض واقع قائم على حدودها المتخيلة والتي لا تعطي الفلسطينيين بموجب هذا التخيل جزءاً بسيطاً من أراضي 1967 وتضع جميع قوتها وضغطها باتجاه التهرب من أية مبادرة، ولكن بشكل مدروس لا يضر بعلاقتها مع دول العالم، ويظهر هذا الشكل بتمسك شارون الكاذب بالسلام وتصويره للانتفاضة بأنها «الإرهاب» ليبعد عن تاريخه هذه الصفة، ولكن يظل السؤال البسيط جداً وهو: «هل تبدأ الحكومات العربية بإيجاد صيغة جديدة لمواجهة شارون الذي تعرفه مسبقاً بأنه لن يوافق على أية مبادرة عربية مهما كانت معتدلة؟!» والجواب معلق قبل كل شيء بالدعم العربي الرسمي والشعبي للانتفاضة. ـ كاتب فلسطيني