على عاتق من تقع المسئولية النهائية في تجارة الرقيق العصرية في أفريقيا الغربية التي برزت إلى مقدمة الاخبار العالمية من خلال التركيز على سفينة صدئة تتنقل بين موانئ أفريقية، وعلى ظهرها 200 صبي من بنين تأمل عصابة مهربين أفارقة بيعهم كعبيد؟ الفضائيات الغربية، وفي مقدمتها «سي.إن.إن» و«بي.بي.سي» تحصر تغطيتها لقصة السفينة في الجانب الدرامي المثير وربطه بالرباط التقليدي «حقوق الانسان» لتحجب تماماً الأسباب الجذرية. كما هي مسئولة تاريخياً عن تجارة الرقيق الضخمة التي امتدت لمدى قرون متصلة حتى قبل مئتي عام، فإن دول الغرب هي المسئولة بالدرجة الأولى الآن مع مطالع الألفية الثالثة عن عودة ظهور هذه التجارة القبيحة. والضحايا في كلا الحالين أفارقة، وخاصة قبائل الغرب الأفريقي. ولولا التطفيف القانوني السائد في هذا العالم وهذا العصر لكان الأحرى تقديم بيوت المال الغربية ومعها محاميها «صندوق النقد الدولي» إلى محاكمة كمجرمي سلم. فتجارة الرقيق عادت، وسوف يتعاظم رواجها لأن هناك ملايين من الآباء الأفارقة على استعداد لبيع صبيانهم وصبياتهم لمن يدفع. ولم يكن لهذا الاستعداد أن يتوفر لولا أن معادلة العيش اليومي للأسرة الأفريقية في المدن كما في الأرياف صارت مستحيلة بأي حد أدنى حتى بمعايير عيش الحيوان. وما كان لهذا الشظف المعيشي أن يشتد لهذه الدرجة المستحيلة لولا أن حصيلة الكد والانتاج للملايين من البشر العاملين في دولة أفريقية تذهب بالنقد الأجنبي بنسبة تقارب مئة في المئة إلى كبرى بيوت المال والمصارف وصندوق النقد كـ «خدمة ديون». فالدول الأفريقية كلها تعيش الآن درجات متفاوتة من الإفلاس المزمن مع استمرار الاستنزاف المالي الغربي. عناصر المأساة المعيشية واحدة في كل البلدان الأفريقية لأن السبب الجذري للمأساة واحد: يبدأ رب الأسرة ببيع أثاث المنزل مع تصاعد الغلاء وتهابط قيمة العملة الوطنية (لأنها عملة بلا غطاء من رصيد بالنقد الأجنبي» وينتهي إلى بيع الأطفال. وما دام هناك «عرض» فلابد أن يكون هناك «طلب». والطلب في الغرب الأفريقي تمثله دولة جابون التي جعلت منها ثروة النفط مع قلة السكان قبلة للعصابات الجديدة لتجارة الرقيق. فالصبي الذي يشترى من بنين أو غيرها من بلدان الغرب الأفريقي الأخرى بنحو عشرة دولارات يُباع إلى أفراد شريحة الأثرياء في جابون بأكثر من 400 دولار ليستخدم في مزارع الكاكاو هناك. تجارة الرقيق التاريخية بدأتها دول أوروبية ـ انجلترا والبرتغال واسبانيا بوجه خاص ـ في منتصف القرن السادس عشر واستمرت حتى أوائل القرن التاسع عشر.. وضحايا الأفارقة يعدون بالملايين. والآن وفي هذا العصر لا تتعرض شعوب أفريقيا وحدها لهذه التجارة القميئة. فقد ظهرت مؤخراً شركات غربية تعمل في الاتجار بالبشر بحجم كبير بين شعوب أوروبا الشرقية بعد أن حل بها ما حل بالشعوب الأفريقية من لعنة «الديون» وإشاعة الفقر باسم «اقتصاد السوق الحر» و«الخصخصة». وإذا كان مصير رقيق أفريقيا المعاصر هو المزارع فإن مصير رقيق أوروبا الشرقية هو مواخير الدعارة في غرب أوروبا والولايات المتحدة. وفي هذه الأثناء تواصل الفضائيات الغربية وجماعات «حقوق الإنسان» حصر القضية في جانبها السطحي الدرامي للتعتيم عمداً على هوية المجرمين الحقيقيين.