الأحلام مشروعة دائما ما دامت تبقى أحلاما، والحلم سواء كان على المستوى الفردي أو الجماعي أو الوطني يظل أيضا مشروعا، لأن الأحلام عادة تكون الخطوة الأولى نحو تحقيق أماني، وطموح الفرد أو الجماعة أو الشعوب على المستوى الوطني، لكنها تظل في النهاية أحلاما، مجرد أحلام، ولا تتعدى تلك المرحلة إلى التحقق أو الكينونة، لانها في تلك اللحظة تتطلب توافر عناصر معينة لتنتقل من مرحلة «الأماني» إلى مرحلة «التحقق الواقعي». وعلى المستوى السياسي يمكننا ان نجد الكثير من زعماء العالم يحلمون إلا ان أحلام هؤلاء ليست دائما مشروعة أو قابلة للتحقق، لأن تحقيقها مرهون بقبول الآخرين لتحقيق أحلامهم، لأن السياسي الطامح إلى قيادة الوطن الذي يوجد فيه لا يستطيع ان يحقق أحلامه الخاصة بمعزل عن الآخرين، ولا تتحقق أحلامهم إلا برضاء عام، وإذا افتقد السياسي ذلك الرضاء العام وحاول تحقيق أحلامه عنوة سيواجه عقبة عدم القبول، أو الرفض من الآخرين، لأنهم جزء لا يتجزأ من العناصر المكونة لتحقيق هذا الحلم، وهنا تكون الكارثة لو حاول أحد السياسيين ان يحقق حلما مرفوضا من العامة سواء داخل أو خارج المجتمع الذي يعيش فيه، وعندها يصبح تحقيق الحلم مستحيلا إلا باستخدام وسائل غير شرعية. أمان متعارضة من تلك النوعية من الأحلام التي تتطلب عناصر تدخل فيها عناصر خارجية أو لا تخضع للحالم ولا يملك القدرة على تطويعها لتحقيق حلمه إلا بالقوة، ذلك الحلم الخارق الذي خرج به الرئيس الأمريكي الجديد جورج بوش الابن خلال لقاء دول الأمريكتين الذي انتهى انعقاده قبل أيام قليلة في «كيبك» الكندية، وخرج بإعلان أضخم «سوق للتبادل التجاري الحر» في العالم. حلم الرئيس جورج بوش لم يكن في حجمه السياسي على المستوى الداخلي حتى يمكن القول بانه يملك من وسائل السلطة في وطنه ما يمكنه من تحقيق ذلك الحلم على طريقة كن فيكون، مع الأخذ في الاعتبار المجازفة بمستقبله السياسي، أو حتى من حجم وقدرة بلاده الولايات المتحدة في محيط ما تملك من النفوذ، أو من تملك تحريكهم بحكم وجودها على كرسي زعامة العالم كقطب سياسي وعسكري اعظم. بل ان حلم الرئيس الأمريكي تعدى كل هذا ليشمل من هم ليسوا في قبضة بلاده وامتد ليشمل اكثر من اتجاه، أو على الأقل لن يوفروا له شروط نجاح تحقيق هذا الحلم بسهولة، وهو حلم إنشاء سوق تجارية حرة من أقصى الشمال المتجمد في الاسكا إلى أقصى الجنوب المتجمد أيضا، وان كانوا يطلقون عليه أرض النار. هذه السوق في حد ذاتها حلم راود الكثيرين من قبل، سواء من زعماء التحرير السياسي في منطقة أمريكا الجنوبية من أول سيمون بوليفار إلى هوجو تشابث رئيس فنزويلا الحالي، أو راود بعض المستعمرين الذين حاول بعضهم ربط شعوب تلك المنطقة بتبعية تجارية، بعد ان فشلت الوسائل السياسية والعسكرية في تحقيق تلك التبعية، والولايات المتحدة التي يترأسها جورج بوش الابن حلم الكثير من زعمائها في تحقيق أحلام على هذا المستوى، ببساطة لانها اصطدمت بأحلام وأمان متعارضة ومشروعة، وهي أحلام وأماني شعوب وأفراد أمريكا اللاتينية خلال نضالهم الطويل ضد المستعمر، ومحاولات الهيمنة التي تحاول استخدام التجارة وأحلام الرفاهية للإبقاء عليهم حيث هم منذ ان نهبت إسبانيا الاستعمارية ثرواتهم. تكوين سوق تجارية مفتوحة بحجم الأمريكتين شمالا وجنوبا يدخل أيضا في إطار الأحلام شبه المستحيلة، لانها ستشكل قوة تجارية لا يستهان بها، فهي تشمل سوقا استهلاكية تحلم بها أي شركة أو تجمع مالي، لأن زبائنها يقترب عددهم من الثمانمئة مليون مواطن، يستهلكون أي شيء يمكن ان يدخل إلى تلك السوق من ابسط المنتجات إلى اعقدها، وتشكل حوالي عشرين بالمئة من حجم التبادل التجاري العالمي. سوق بهذا الحجم الجغرافي يمكن ان تشكل رعبا لأي تجمع اقتصادي آخر، وأيضا يمكن ان تشكل حلما لأي تجمع اقتصادي آخر، كل حسب نظرته إلى تلك السوق، لانها تشمل جغرافيا قارتين بأكملهما، كما وسبق وأشرنا إلى إنها سوق تبدأ من القطب الشمالي وتنتهي في القطب الجنوبي، وتشمل على أربعين بالمئة من حجم الناتج الوطني لمجموع دول العالم. لكن دون تحقيق هذا الحلم الأمريكي الكثير من العقبات، أول تلك العقبات صناعة أمريكية بحتة، أي ان الحالم لا يريد لحلمه ان يتحقق، والأسباب لا تكمن في العناصر الأخرى الموضوعية وغير الموضوعة المطلوبة لتحقيق هذا الحلم ووضعه موضع التنفيذ، بل تكمن في الحالم نفسه، فالولايات المتحدة لا تريد فقط ان تتزعم تلك السوق العالمية الجديدة لتكون متنفسا لشركاتها العملاقة بل تريد أيضا ان تكون تلك السوق خاضعة للولايات المتحدة وفقا لرؤيتها الخاصة وتعريفاتها السياسية المطاطة للكلمات التي تتغير معانيها مع كل موقف، وهذه التغيرات التي تطرأ حتى على مفاهيم الولايات المتحدة للكلمات يعود إلى انها تريد استخدامها للسيطرة وبسط النفوذ وتحقيق أهدافها الخاصة الضيقة، اكثر من استخدامها لخلق مناخ عام يهدف إلى رفاهية مجمل شعوب الدول التي تشكل حجر الزاوية في ذلك الحلم. لذلك وضعت الولايات المتحدة العقبة الأولى أمام خلق تلك السوق التجارية العالمية القيود على عضويتها من خلال فرض شرط «الديمقراطية» على الانظمة التي تحكم تلك الدول الراغبة في الانضمام إليها، دون تحديد لأي معنى من معاني الديمقراطية، لأن الديمقراطيات يمكن الاعتراف بها أو حجب الاعتراف بها بقرار أمريكي من جانب واحد، طبقا لمدى قبول تلك الديمقراطية الدخول في إطار الهيمنة الأمريكية من عدمه، لأن هناك ديمقراطيات لا تعترف بها الولايات المتحدة لمجرد ان الأحزاب أو الشخصيات التي تصل عن طريقها إلى سدة الحكم ترفض تلك الهيمنة، أو على الأقل تتخذ أو تحاول ان تتخذ لها طريقا مستقلا أملا في تحقيق أحلام وطنية خالصة، شاءت الظروف ان تكون متعارضة مع أحلام أمريكية في الهيمنة. المعادلة الصعبة وربما كان تعبير الرئيس الفنزويلي هوجو تشابث في هذا الاتجاه الأكثر تعبيرا عن الاختلاف في تفسير كلمة «الديمقراطية»، والمعاني المتعددة لها طبقا للرؤية الخاصة لكل طرف في هذه المعادلة الصعبة في أي حوار متعدد الأطراف. الرئيس الفنزويلي يرفض التعريف الأمريكي للديمقراطية التي يسميها «ديمقراطية التمثيل»، لانها لا تعبر في النهاية عن توجهات الجماهير بقدر ما تعبر عن مدى قدرة كل مرشح على جمع المال، وتنسيق حملة دعائية منظمة في وسائل الأعلام وغيرها للتأثير على توجهات الجماهير، والحصول على أصواتها والدخول إلى الهيئات السياسية، لا لتنفيذ البرامج والوعود التي قطعها المرشحون على انفسهم من خلال دعاياتهم، ولكن لرد الجميل لمن دفعوا الأموال لتمويل تلك الحملات الإعلانية والإعلامية بغض النظر عن تعارض ذلك مع المعلن في البرامج، أو مصالح الجماهير الناخبة. وبالمقابل يقدم هوجو تشابث ما يسميه «ديمقراطية المشاركة» التي يطبقها في بلاده والتي تهدف إلى مشاركة الجماهير في كل ما يتعلق بالحكم خاصة عند اتخاذ القرارات الكبرى، وذلك من خلال طرح تلك القرارات على الجماهير لتعبر عن رأيها فيها من خلال الاستفتاءات، و هو تعريف للديمقراطية منتقد من جانب الولايات المتحدة التي تعتبره مجرد «نظام غوغائي» لا يعبر عن الجماهير، ومن هنا لا يجب التعامل معه على انه نظام ديمقراطي، يضاف إلى تعريف الولايات المتحدة لوضع الرئيس الفنزويلي المنتخب جماهيريا انه اصبح يجهر علانية برؤية إقليمية تعتبرها الولايات المتحدة معادية لتوسعها العسكري في المنطقة، خاصة بعد رفضه الواضح والمعلن لما تسميه «خطة كولومبيا» التي ظاهرها القضاء على زراعة وتهريب المخدرات وباطنها الوجود العسكري الأمريكي المباشر الذي يمكن استخدامه كرأس جسر للتدخل عندما تتهدد المصالح الأمريكية في تلك المنطقة، بعد ان فقدت قواعد قواتها في بنما العام الماضي. الهيمنة الأمريكية تقف البرازيل، التي تعد اكبر الدول مساحة والثانية من الناحية الاقتصادية بعد الولايات المتحدة موقف الرئيس الفنزويلي، وعبر الرئيس انريكي كاردوسو عن موقفه من شروط الولايات المتحدة لشرط الانضمام إلى تلك السوق بكلمات قريبة من كلمات الرئيس الفنزويلي، وتعبر في مجملها عن خشية البرازيل ان تكون تلك السوق مجرد أداة لفرض الهيمنة الأمريكية من خلال ضرب المشروعات المماثلة الأخرى القائمة فعلا والتي تواجه صعوبات، مثل «ميركوسور» التي تضم البرازيل والأرجنتين والاوروجواي والبارجواي، إضافة إلى التشيلي التي انضمت كعضو غير كامل العضوية في تلك السوق التي تواجه حاليا صعوبات بسبب الأزمة الاقتصادية التي تتعرض لها الأرجنتين والتي أدت إلى تجميد تلك السوق. أيضا ترى البرازيل، ان موقف الرئيس جورج بوش الابن صاحب هذا الحلم الاقتصادي له مواقف متناقضة مع تحقيق قبول لتنفيذ هذا الحلم من جانب الأطراف الأخرى في الأمريكتين، فهو يطالب الدول الأخرى بالالتزام بالاتفاقيات الدولية في الوقت الذي يعلن فيه رفضه لتنفيذ اتفاقية حماية البيئة التي وقعها سلفه في البيت الأبيض بيل كلينتون في «كيوتو»!. المكسيك أيضا تتخذ موقفا مشابها لموقف كل من فنزويلا والبرازيل، بل ان الرئيس المكسيكي فيثنتي فوكس يرى ان للولايات المتحدة لغة مزدوجة عند الحديث عن أي مشروعات سياسية أو اقتصادية تكون طرفا فيها، فالبيت الأبيض، في رأيه، ينادي بحرية التجارة لسلعه ومن تجاته ويضع العراقيل أمام سلع الآخرين عند دخولها للأسواق الأمريكية. يضاف إلى تلك العقبات عقبات أخرى، لعل أهمها عامل الزمن، فقد وضعت الولايات المتحدة والأطراف الأخرى التي اجتمعت في «كيبك» الكندية الأسبوع الماضي سقفا زمنيا أعلى للبدء في تنفيذ السوق خلال عام 2005، أي خلال أربع سنوات فقط، وهو ما يعد مستحيلا، لأن اتفاقيات تجارية أخرى كميركوسور أو حتى السوق الأوروبية المشتركة استغرق الإعداد لها ووضعها موضع التنفيذ سنوات طويلة تصل إلى عقود دون ان تتحدد ملامحها، أو تتغلب على العديد من المشاكل التي تواجهها. لكل هذه العقبات والمشاكل يرى المراقبون ان تلك السوق التي من المقرر ان تجمع دول الأمريكتين من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي هدفها الأساسي بيع صورة جديدة للولايات المتحدة في ظل وجود جورج بوش الابن في البيت الأبيض، بعد صورته المهزوزة التي وضحت خلال إعلانه عدم الالتزام باتفاقية حماية البيئة، ثم ازدادت شحوبا خلال تعامله مع الأزمة السياسية الناتجة عن طائرة التجسس على الصين. لذلك ستظل، في رأيهم، اتفاقية «منطقة التبادل التجاري الحر بين دول الأمريكتين» مجرد حلم لفرد فرض عليه الواقع ان يكون زعيما سياسيا، وعليه ان يحلم كسياسي، ولأحلامه ان تتحقق أو تظل أحلاما فقط، طبقا لحركة العناصر التي تحكم وضع هذا الحلم لوضعه موضع التنفيذ. ـ كاتب مصري مقيم في إسبانيا