من منا يمكن ان يتخيل ابنه الصغير بين ايدي جنود الاحتلال وأرجلهم؟ من منا يطيق ان يرى أمه أو أخته أو شقيقه يركل بالأرجل أو يدفع بالأيدي بمنتهى الوحشية؟ من منا يتصور انه قادر على احتمال العيش في بلد يصحو على انفجار ويمسي على جنازة شهيد وينام ـ اذا نام ـ على كابوس الدبابات والجرافات والصواريخ تحول أمانه واطمئنانه ومنزله وملاذه إلى ركام ورماد وقبض ريح؟ أدعو كل يوم وأنا مسمرة على أريكة غرفة الجلوس أمام التلفاز: إلهى ألا يمكن لهذا الشعب ان يعيش يوماً بلا جنازات وشهداء يرحلون وحزن يحفر في القلب ويمزقه أشلاء على بوابات المدن الفلسطينية والمداخل الاخرى المؤدية للعواصم العربية؟ ويبدو ان الحال يقود لما هو أسوأ، وان كنا نعتقد بأنه لا شيء يشبه الليل ظلمة، ولا أسوأ مما نعيش هذه الأيام الرديئة؟ ومع ذلك فقد تحولت علاقتنا بالقضية والحدث الى مشاهد تلفزيونية وتغطية وكالات وعرب يتفرجون ويزدادون غيظاً حتى لا يعود في قدرتهم ان يغضبوا أو يغتاظوا، فيتبلدون تماماً وينسون!. عندما سئل شارون عن خطته المقبلة لاحتواء الوضع المتفجر بعد أن فاز بالانتخابات خلفاً لباراك قال بكل عنجهية انا الذي أستطيع أن أصنع السلام! وعندما خرج أحد الحاخامات من قصر ياسر عرفات الرئاسي وهو يتأبط أوراقه ودفاتره أسمته مجلة «نيوزويك» الامريكية الحاخام صاحب القضية! وبادرت مراسلة المجلة لسؤال الحاخام يقال أنك قابلت أحمد ياسين فلماذا؟ رد الحاخام: انه ليس سهلاً ان تلتقي برجل يدعو الى القتل علانية لكننا يجب ان نعمل من أجل السلام!! ولا تعليق. من الطبيعي أن يكذب شارون، ومن الطبيعي ان يكذب الحاخام، ومن الطبيعي ان تروج الصحافة الامريكية لهذا الكذب ولكن بعيداً عن كل هذا فإن موقفاً عربياً لم يتخذ حتى الآن من أجل هؤلاء الأطفال الذين يحصدون يومياً على مقاعد الدراسة أو وهم في طريقهم لمدارسهم، كل ما يفاجأ به هؤلاء الأطفال ان يختفي أحد زملائهم من الصف ويظل كرسيه خالياً إلا من سواد ودموع، لقد رحل.. اغتالته رصاصات غادرة أطلقها اسرائيلي وهو يلهو بالسلام على طريقة شارون وباراك والحاخام صاحب القضية!. كيف يمكن ان تنتهي تظاهرة الجنازات هذه؟ كيف يمكن ان يذهب أطفال فلسطين في حراسة اليمام والسلام وليس في معية الدبابات والرصاص والقنابل وعضلات الجنود الاسرائيليين؟ نحن فقط نريد لهؤلاء الذين لا ذنب لهم ألا يحملوا وزر الكبار وحروبهم.. فهل يمكن ان تتحقق هذه الأمنية؟.