تحتاج الأمم عبر تاريخها الى ابطال يلعبون دور المهماز لإلهاب المشاعر الجماهيرية وشحذ الطاقات ودفعها باتجاه تحقيق حلم أو مجد قومي، وستصبح الحاجة ملحة عندما تمر الامة بلحظة تاريخية، تتفوق فيها التحديات على القدرات الراهنة، ويتحول البطل الى ضرورة للحفاظ على وجود الأمة واستيقاظها واستنهاض الخامل منها، حتى تترسخ معاني السيادة والكرامة الوطنية. وعندما يغيب البطل بمعناه «الكارزمي» وكوجود محدد، تلجأ الأمم احيانا الى البحث عن «بطل» ليلبي حاجة تاريخية، أو تصطنع من احد مواطنيها بطلا، وتعلي من شأن موقف اتخذه باتجاه الدفاع عن كرامتها، وتحوله الى حدث رمزي تحيطه بهالة من التمجيد، وتوظفه كأداة استنفار وحشد، وتجعل منه ناقوساً تاريخياً يوقظ الغافلين، ويصبح رمزاً تهوي اليه افئدة الشبيبة والطلائع من الاطفال. وما يجري حاليا في الصين بعد قيام الطيار وانج وي بالتصدي لطائرة التجسس الامريكية في مواجهة ادت الى تحطم مقاتلته ومصرعه يكشف أحد جوانب حاجة الامم لبطل رمزي. فلم تكتف القيادة السياسية الصينية بتصوير عمل الطيار المفقود على أنه نوع من البطولة، بل حولت صورته الى رمز يتحلى به الصينيون، وقامت القيادة العسكرية بمنحه اعلى وسام صيني واطلقت عليه لقب «حامي بحار وأجواء الصين» وجعلت من شجاعته دافعاً ونموذجاً يقتدى في مواجهة لم يأت أوانها بعد مع القطب الدولي الاوحد الولايات المتحدة الامريكية. صحيح ان ما قام به الطيار الصيني قد يكون في ظروف اخرى عملا طائشاً او مجرد حادث عارض، الا انه في حالة التجاذب والاستقطاب الدولي، وعدم استقرار الاحادية القطبية، ورغبة الصين في الفوز بموقع قدم على خارطة القيادة الدولية جعله عملا بطوليا يستحق الاشادة، وينظر اليه ابناء الامم الاخرى، مثلنا بانبهار وتقدير. وبعيدا عن الجدل الفلسفي حول جدوى «البطل» التاريخي، الذي ينظر اليه اصحاب النظريات المادية لتفسير «التاريخي»، على أنه اسطورة وفي احسن الاحوال مجرد انعكاس أو تعبير عن القوى الاجتماعية والاقتصادية الفاعلة والصاعدة تاريخيا، بعيدا عن كل هذه الهرطقات التي لم تصمد ابدا في وجه حقائق التاريخ وتجاربه، ما أحوجنا نحن العرب في هذه اللحظة التاريخية الى استلهام سير ابطالنا التاريخيين، وتقديمهم في صورة مبهرة فنيا وادبيا لتملأ مخيلة اطفالنا الذين باتوا ضحايا صرعة «البوكيمون». ولن تكون رحلة البحث العربية عن بطل صعبة، فما أكثر نماذج البطولة في تاريخنا قديما وحديثا، ومازالت صورهم حية تنبض وتشع بالحياة، وتلهب مشاعر اجيال لم تعش ايامها وتملأ جوانحهم بالرغبة في التضحية والفداء. وربما يكون مناسبا، تسليط الاضواء على نماذج البطولة التي يقدمها الاطفال في فلسطين المحتلة حاليا، حتى لا تصبح مجرد صور عابرة، تختفي بمجرد انصراف الاهتمام الاعلامي عنها. ولمن يشك في جدوى تحذيرنا ان يراجع بنفسه، ويتذكر الى أين ذهب الشهيد محمد الدرة على خارطة اعلامنا الفضائي العربي ويتساءل معنا.. لماذا هذا التواطؤ على تغييبه عن شاشاتنا.. والى أين صار مآل المشاريع التي اعلن عنها لتخليده وتحويله الى رمز بطولي.