أكثر الأماكن التى أتردد عليها فى كل مكان هي المكتبات. لا أذهب إلى بلد عربي أو أوروبي إلا وأسأل عن المكتبات فيه. لا أميز في ذلك بين المكتبات العامة والخاصة، فكلا النوعين محبب إلى نفسي، وكلا النوعين بيني وبينه عشرة قديمة جميلة ممتدة على امتداد سنوات العمر الذي يقترب الآن من الستين. وأول شيء كنت أحسب حسابه في السفر هو التأكد من حمل النقود الكافية لشراء الكتب، طبعا، الآن تغيرت الدنيا، وأصبحت هناك (الفيزا) و(الماستركارد) و(الجولدن كارد) وغير ذلك من الأوراق التي أسميها النقود البلاستيكية. وعادة، ما اكتشف، في كل سفرة، أن أكثر ما أنفقه من أموال هو على الكتب. ولم أشعر بالندم على ذلك قط، إذا لا يزال الكتاب رفيقى، كما لايزال الكتاب الجديد الجيد مطلبي ومسعاي فى هذا العالم الذى أعيشه وأعيش فيه. وبقدر عودتى من كل بلد أزوره محملا بالكتب، يتجدد إعزازي لهذا البلد واحترامي لثقافته وحضارته على السواء، خصوصا منذ أن تعلمت وقت الصبا أن أولى علامات الحضارة ومقياس التقدم هو وجود الكتب والمكتبات. مؤكد أن علاقتي بالمكتبات اختلفت بعض الشيء مع وجود الإنترنت، ومع وجود شبكة التوزيع المذهلة التى تدعى (أمازون) حيث تستطيع وأنت فى مكانك من أى موضع فى العالم أن تحصل على الكتاب الذى تريده بالدق على بعض الأزرار وكتابة الأرقام السرية لكارت الفيزا أو الماستر كارد الخاص بك. ولكن هذا الاختلاف ظاهرى فحسب، فمازالت متعتى الحقيقية هى فى التجول عبر صفوف الكتب فى كل المكتبات التى أزورها، متنقلا ما بين فروع المعرفة المختلفة كما تنتقل النحلة بين أنواع الزهور. ويحلو لي، طبعا، أن أمسك الكتاب بيدي قبل أن أشتريه، وأطالع الفهرست، ولا بأس من بعض فقرات أو حتى صفحات من المقدمة فإذا أعجبنى الكتاب حملته بين ذراعى فى مودة، وانتقلت إلى غيره، ولا أترك المكتبة إلا وأنا محمل بما لذ وطاب من ثمار المعرفة، وبما أرجو وآمل وأصر على أن أقرأه، أو حتى بما يمكن أن أؤجل قراءته إلى حين يأتى الوقت الذى أفرغ فيه لموضوع الكتاب. وقد كانت سعادتي غامرة هذه المرة حين وجدت مكتبات جديدة افتتحت فى مدينتي كيمبردج وبوسطن. صحيح حزنت على المكتبة القديمة التى صادفتها منذ ست سنوات فى شارع نيوبرى فى مدينة بوسطن، فقد أغلقت أبوابها، ولكنني فرحت عندما وجدت غيرها وأكبر منها من المكتبات المفتوحة حديثا. و قد استوقفتني منها مكتبتان لبيع الكتب، تقع كلتاها فى شارع واشنطن بمدينة بوسطن بالقرب من وسط المدينة ومن الحديقة الممتدة التى تقع على البيكون هل وتواجه مبنى الولاية. وما أكثر ما قضيت من ساعات بين مكتبة الـ ( بوردر) ومكتبة ( بارنز أند نوبل ) فى شارع واشنطن. الأولى أكثر من طابق، ورهيبة الاتساع، وفى كل طابق، وبين الأرفف المحملة بالكتب، مجموعة من المقاعد الوثيرة، حيث يمكن لك أن تحمل ما تشاء من الكتب من على الأرفف، وتقلب فيها كما تشاء، أو تقرأ فيها كما تريد، قبل أن تقرر الشراء أو عدم الشراء. وإذا شعرت بالجوع أو الرغبة فى احتساء القهوة، فيمكن لك أن تحمل الكتاب. أو ما تشاء من كتب، وتذهب إلى الكافيتريا الموجودة فى داخل المكتبة، فتأكل، أو تشرب أو حتى تتحدث مع من تريد من البشر، إذا سمح لك الآخرون، أو الأخريات، بالحديث معهم أو معهن. وقد ظننت في زيارتي الأولى، هذه المرة لشارع واشنطن أن بإمكانى المرور على المكتبتين والفراغ منهما فى ساعة أو ساعتين. ولكنني سرعان ما اكتشفت سذاجتي، وسرقت مكتبة البوردر الوقت كله، وما كدت أتأهب للإنصراف، بعد ساعات من التجوال، والاختبار والقراءة، حتى اكتشفت أن في ظهر المبنى مبنى بأكمله مخصصا للكتب المستخدمة من قبل، وهي كتب بأسعار زهيدة جدا بالقياس إلى ارتفاع الأسعار الفظيع الذي تتميز به مطبوعات هذه السنوات. وقررت بعد تجربتي هذه ألا أزور سوى مكتبة واحدة في اليوم الذي أخصصه للمكتبات وسط أيام العطلة الاسبوعية. هكذا أخرج من منزلي، بعد أن أكون قضيت فترة الصباح أعمل فى الكتاب الذي أحاول الفراغ منه قبل عودتي إلى القاهرة. وأنطلق إلى إحدى المكتبات سواء مدينة كيمبردج أو مدينة بوسطن. وأظل في كل مكتبة أتفحص الكتب وأقلب الصفحات، وأقرأ من هنا أو هناك، حتى أشعر بالرضا عن الكتاب فأحمله، وأضعه في مكان أعرفه، وأذهب إلى كتاب آخر. وهكذا، من فرع إلى فرع من فروع المعرفة المتداخلة. وقد اكتسبت خبرات طريفة من هذا الفحص، وتعلمت التفرقة بين الطبعات الغالية والطبعات الرخيصة، كما تعلمت أن الطبعة الرخيصة يمكن أن تكون أحيانا أفضل من الطبعة الغالية. والمثال على ذلك، مثلا سلسلة الأعمال الكلاسيكية التى تصدرها مكتبة (بارنز ونوبل ). وهي سلسلة كان آخر ما اقتنيته منها طبعة فخيمة من إلياذة هوميروس بأربعة دولارات.. وهو ثمن أقل حتى من ثمن ورق الكتاب الجميل وغلافه السميك الرائع. وأحسب انني أصبحت نتيجة علاقتي بالمكتبات صديقا لبعض الذين يعملون فيها وبعضهم أخذ يظهر الود لي، بعد أن لاحظ كثرة ترددي، وما ظهر من حبي للكتب. وأذكر من هؤلاء رجلا وقورا يعمل بمكتبة مطبعة هارفارد للكتب، حيث عثرت على كتاب عن الأدب المقارن كنت أبحث عنه لمعرفتي بتميز كاتبه، ولفت انتباهي هذا الرجل الذي أصبح صديقا فيما بعد أن الكتاب ثمنه ستون دولاراً، وأنه من الأفضل أن أبحث عن طبعة ورقية (بيبرباك) منه أو حتى عن نسخة فى محلات الكتب المستعملة، وأعطاني اسم شركة توزيع متخصصة في الكتب المستعملة وعنوانها الالكتروني. وللأسف لم أجد طبعة رخيصة من الكتاب، ومضت أسابيع انشغلت فيها، ولم أتذكر الكتاب إلا عندما وجدت نفسي مارا من أمام المكتبة، فدخلت إليها وسألت البائع الذى وجدته لايزال يذكرنى، ولا يزال يحتفظ بالنسخة الوحيدة المتبقية من الكتاب لي. ولم يكتف بذلك بل أخذ يتحدث معي حول اهتماماتي الثقافية. وعندما عرف أننى مصرى سألني إذا كنت قد اطلعت على الترجمة الإنجليزية التي أصدرتها مطبعة جامعة هارفارد لكتاب أندريه ريمون الضخم عن القاهرة. وطبعا فرحت بصدور ترجمة كتاب أندريه ريمون الذي دعوناه في المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة للحديث عن تأريخه لمدينة القاهرة. وصرت التقى بالبائع جون كثيرا، كلما ذهبت في جولاتي وراء الكتب، تماما كما التقي بغيره من عشاق وعاشقات الكتب التي تجد نفسك في علاقة معهم ومعهن مادمت من عشاق الكتب. وأتصور أن المكتبات التي تبيع الكتب قد أصبحت، بعد تطورها، وتعدد وظائفها وتنوع اجنحتها، اما للإلتقاء والتعارف بين محبي الثقافة الرفيعة. وسواء كنت تجلس وسط أرفف الكتب لتقلب في الكتب التي تحبها، أو تجلس إلى مائدة صغيرة فى كافتيريا المكتبة، أن تتجول بين أجنحة الكتب المسموعة والكتب المرئية على السواء، أو تكون فى الأماكن التي توجد فيها أجهزة الكمبيوتر لتبحث بنفسك، أو تتأكد من وجود أو عدم وجود الكتاب الذي تبحث عنه فى المكتبة، وتعرف موضعه المحدد، فسوف تجد باستمرار من يبادلك الابتسامة الصافية، ومن يرغب في الحديث معك حول اهتمام ثقافي مشترك، أو حتى حول شريط فيلم مرفق بنسخة الكتاب الذي أخذ عنه. وكثيرا ما تتحول الابتسامة إلى تعارف وإلى كلام وإلى صداقة أولها وآخرها الكتب، ومنطلقها المكتبات الموجودة في كل مكان يمكن أن يسير فيه داخل مدينة كيمبردج، أو مدينة بوسطن أو أي مكان يمكن أن تذهب إليه في العوالم المتقدمة ولابد أنك، بعد أن تخبر هذه المكتبات مثلي ستقول لنفسك إنه بعدد المكتبات وتنوعها وتطورها، وتعدد وظائفها وتباين أجنحتها تتحدد درجة التقدم في البلد الذى تزوره. وقد تشعر، مثلي، وأنت تنتقل بين مكتبات كيمبردج وبوسطن أنك في قلب ثقافة الكوكب الأرضي الذي لاتزال بلادنا العربية للأسف بعيدة عنه.