يبدو أن جميع الشعارات الانتخابية التي حملت شارون بعد غياب طال انتظاره عن الحياة السياسية الإسرائيلية إلى سدة الحكم، قد باءت جميعها بالفشل الذريع خاصة وأن أحداث انتفاضة الأقصى آخذة باتجاه التصاعد، وأن المئة يوم التي تعهد من خلالها للقوى الظلامية المتطرفة داخل إسرائيل، شارفت على الانتهاء ولم يصل إلى حلول مركبة أمنية سياسية مع الفلسطينيين كما تصور بشكل مسبق من خلال ما يسمى بالخطط الشارونية. بالمقابل وصل إلى قناعة مطلقة، بأنه لن ينجح في كف حزب الله اللبناني عن ممارسة حقه المشروع مدعوماً من الرئاسة اللبنانية، في ديمومة العمل بكل الوسائل بما في ذلك العمل العسكري ضد الوجود الإسرائيلي في مزارع شبعا اللبنانية وعودة اللاجئين الفلسطينيين المتواجدين في لبنان إلى ديارهم التي خرجوا منها في العام 1948، مهما استخدم من وسائل أمنية متطورة. لذلك وكعادته، بدأ شارون من خلال الدعم الكبير على المستوى الداخلي التفكير الجاد في نقل أزماته الداخلية وتوزيعها ما أمكن على المحيط الجغرافي المتأجج أصلاً والذي يتمثل بلبنان والسلطة الفلسطينية وسوريا. فقد قسم شارون من خلال سياسته المعهودة تحركه على ثلاثة محاور، باعتباره جنرالاً يؤمن بأن تحقيق أية أهداف سياسية إن كانت داخلية ضاغطة أو خارجية منغصة، لا تتحقق إلا بعمل عسكري نوعي وخاطف يؤمن له، ولو بشكل مرحلي، ترحيل جملة الأزمات الداخلية التي تهدد بفشل سياسته، وهذا يتأتى من خلال لفت نظر الداخل إلى الخارج الذي يعتبر الخطر الأكبر والاهم بالنسبة لجميع القوى الإسرائيلية يمينية كانت أم يسارية، والموحد الأساسي لمجمل السياسات الإسرائيلية. هذا من جهة، أما من الجهة الثانية يحاول زرع روح الهزيمة واليأس انطلاقاً من الخلل الحاصل أصلاً في موازين القوى القائمة لمصلحة إسرائيل بسبب الدعم الغربي عموماً والدعم الأمريكي بشكل خاص، وتشتت المواقف العربية التي لا يجمعها إلا الشعار العريض، دون أن نغفل على الإطلاق، أن شارون رغم ما يشاع عنه بأنه لا يمتلك ذكاء سياسياً أسوة ببعض قيادات إسرائيل التاريخيين، إلا أنه كان وما يزال، من أكثر القيادات الإسرائيلية انتهازية وقدرة على اقتناص الفرص واستثمارها لخدمة مآربه السياسية، فقد وجد في الأصوات اللبنانية الداخلية المطالبة بالخروج السوري من لبنان فرصة سانحة في زرع أسافين الفرقة اللبنانية اللبنانية أولاً، واللبنانية ـ السورية ما أمكنه ذلك ثانياً، ومحاولة جادة لتوسيع دائرة المطالبة على المستوى الداخلي اللبناني من خلال إشهار سياسة العصى الغليظة، التي مارسها في أكثر من موقعة، وقد يكون قصف الرادار السوري، مقدمة لمعاودة انتهاج مثل هذه السياسة التي تقوم بالأساس على استغلال المتناقضات الداخلية لأي بلد عربي، حتى بما فيها البلدان التي تقيم معاهدات سلام مع إسرائيل، وأن اتباع هذه السياسة ليست حكراً بالنسبة لشارون على لبنان، لكن لبنان ومن خلال الاحتقان الداخلي الذي يرتكز إلى ميول وأخلاقيات طائفية محضة حتى في المحاصصة السياسية على المدى التاريخي، لا يزال هو المرشح للتدخل الإسرائيلي باعتباره يؤمن مناخاً خصباً لممارسة وانتهاج مثل هذه السياسات الشارونية وغيرها. ولعل الشعار الفضفاض الذي رفعه شارون والمتمثل بتغيير قواعد اللعبة، مع السوريين واللبنانيين والفلسطينيين على حد سواء، تظهر مدى جدية شارون، إذا ما سمحت له الظروف الدولية والإقليمية، في استخدام مؤسسته العسكرية بغية فرض حلول مذلة على الأطراف الثلاثة، أقل حتى من الحد الأدنى غير المقبول عربياً. سيناريوهات إسرائيلية وهنا تجد الإشارة إلى جملة من السيناريوهات المعدة إسرائيلياً على الثلاثة محاور، تتلخص بالتالي: السيناريو الأول:يقوم على تقويض الوجود العسكري السوري، من خلال التلطي وراء ادعاءات الدعم السوري لحزب الله اللبناني، مثل ما حصل في ظهر البيدر مؤخراً، بالاعتداء على موقع الرادار السوري كما أسلفنا باعتباره رأس سهم الدفاعات الجوية السورية حسب تفسيرات بعض الخبراء في هذا المضمار، كمقدمة لتوسيع دائرة العدوان على المواقع السورية ما أمكنها ذلك، أي محاولة لضرب جناحي السهم. وهذا بدوره حسب اعتقاد شارون سيغذي النزعات الداخلية على الصعيد اللبناني في المطالبة بوتائر أعلى بخروج الجيش السوري من لبنان، والذي بدوره سيخفض من السقف السياسي السوري المطروح سواء ما طرح منه في قمة عمان، أو من خلال التعبئة المستمرة التي تمارسها سوريا عربياً ودولياً عبر حركتها الدبلوماسية على الصعيد الأوروبي والإسلامي ودول عدم الانحياز، والذي قد يؤدي أيضاً إلى تقليل الخيارات السورية، وبما يؤمن قطع الطريق على تنامي العلاقة السورية الفلسطينية، التي ستخلق بدورها الكثير من مناخات الوئام السياسي والتنسيق إزاء أية خطوة سياسية أو عسكرية إسرائيلية على الصعيدين الثنائي والعربي، والتي بالضرورة ستحمل بين ثناياها الكثير من الأخطار بالنسبة لرؤية الساسة الإسرائيليين عامة من دون استثناء يذكر، دون أن يغفل شارون وتحالفه العدواني الواسع من أجندته، محاولة استغلال الفرص لاضعاف المؤسسة العسكرية السورية عبر الاعتداءات المتقطعة التي يسعى لممارستها بين الفينة والأخرى، وبما يمس من هيبتها لدرجة إيصالها إلى مرحلة من الإنهاك بحيث تصل إلى مرحلة تصبح معها غير قادرة على مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية المتطورة، والمدعومة أمريكياً بكل وسائل القوة والاقتدار. السيناريو الثاني: وهو مكمل للسيناريو الأول ويقوم على تغذية روح الطائفية الداخلية، التي يعاني لبنان منها منذ منتصف القرن التاسع عشر ولا يزال، وإن تغيرت الأدوات وبعض المفاهيم، فإسرائيل ستسعى بكل ما تمتلك من إمكانيات ووسائل عبر الضغط العسكري والسياسي لدمغ المقاومة الجنوبية بالطائفية، خاصة وأن هذه القضية باتت تجد في لبنان آذاناً صاغية، بهدف نقل الصراع من جديد إلى الداخل اللبناني، بدلاً من ديمومة الصراع معها لاستكمال تحرير الأراضي اللبنانية، مثل مزارع شبعا وملحقاتها من التلال المجاورة، وحتى تبقي على نهب مياه لبنان. وتصبح جل الهموم أو الصراعات محصورة في حجم حصة هذا الطرف أو ذاك في اقتسام الكعكة على المستوى الداخلي، ونعود مرة ثانية لنشهد ظاهرة الكنتونات الطائفية، لكن هذه المرة قد تنال الصراعات أبناء الطائفة الواحدة، أو المدينة أو حتى الحي الواحد. أما السيناريو الثالث باعتباره حلقة مكملة لما سبق، فهو يسعى إلى زيادة الضغط على الفلسطينيين بالتزامن مع الضغط على سوريا ولبنان، من أجل تخفيض المطالب الفلسطينية إلى أقل مدى، بحيث تخرج القدس الموحدة بالنسبة لإسرائيل خارج أطر المفاوضات أو التسوية، ويصبح ما قدمه شارون من نسب هدفاً بنظر الفلسطينيين صعب المنال، والتي قدرها على مساحة الضفة الغربية بمعزل عن القدس، بـ 24%، أي بما يتطابق مع المساحة التي قدمها سلفه ايهود باراك، الذي قدم جيوباً في القدس. وهذا الضغط بكل تأكيد يسعى على المدى المنظور إلى تهجير ما يقارب 400 ألف مواطن فلسطيني خارج الضفة الغربية وقطاع غزة، من خلال الكثير من الذرائع والمبررات، بعد أن تنهك سوريا ولبنان، وبما يسمح لإسرائيل بفرض هذا العدد على الأردن، خاصة إذا ما أدركنا أن الخيار الأردني لا يزال بالنسبة لشارون هو الهدف النهائي في حل القضية الفلسطينية، ولتصبح قضية عودة عدد من اللاجئين بدلاً من أن تكون إلى ديارهم التي خرجوا منها في العام 1948، تصبح وجهتهم المملكة الأردنية الهاشمية. وهذا الأمر يكون عبر التزامن حيناً وعبر مرحلة الاعتداءات أحياناً أخرى بما يتناسب مع الظروف السياسية العامة. إذا كانت الصورة عند شارون وتحالفه الواسع يميناً ويساراً هكذا، يجدر السؤال عن الطرف الآخر أي العربي، ما هي الإمكانيات والوسائل المتاحة لديه لمواجهة مثل هذه السيناريوهات الجهنمية؟ فبالنسبة إلى فض عرى العلاقة اللبنانية السورية، بالطرق التي يراها الآخر شبه مستحيلة، لان الحاجة المتبادلة بين الطرفين أقوى من عوامل الفرقة أياً تكن الظروف، والمحاولات الخارجية التي تظهر من خلال الأدوات الداخلية، وأن أية ترتيبات للوجود السوري داخل لبنان سيتوافق بكل تأكيد مع المصلحة المشتركة للبلدين وليست خارج هذه المصالح. خاصة إذا ما علمنا أن هذه المواقف المحقونة ضد الوجود السوري آخذة في الانحسار بسبب الكثير من المواقف اللبنانية الرافضة لطرح هذه القضية أصلاً في ظل الظروف الصعبة التي تعيشها المنطقة، وأن الحكومة اللبنانية ومجلس النواب اللبناني يقفان في مقدمة المعارضين لمثل هذه المطالب. وفيما يخص الفت في عضد القوة السورية فسوريا تمتلك مؤسسة عسكرية موحدة ومتجانسة، ومثل هذه المؤسسات التي تمتلك هذه المواصفات من الصعب جداً الفت في عضدها، وتبقى الأقدر، رغم شراسة الهجمات على ترميم ذاتها. ولعل الحروب التي خاضتها في أكثر من مكان تدلل على مدى قدرة ترميم ذاتها، وأن عام 1982 ما زال شاهداً على ذلك رغم الخسائر المادية والبشرية. بالإضافة لذلك أن المؤسسة العسكرية السورية ناهيك على أنها مؤسسة عقائدية، تمتلك أيضاً الكثير الكثير من وسائل الرد على أي عدوان إسرائيلي مهما بلغت قوته وأهدافه ومراميه. بالمقابل يجب النظر إلى أنه رغم تفوق المؤسسة العسكرية الإسرائيلية عدة وعتاداً إلا أنها لا تمتلك ما تمتلكه المؤسسة العسكرية السورية من إمكانيات بشرية واستعداد للتضحية، لان المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تقوم بالأساس على قطعان المستوطنين الذين يرون على الدوام قضية الربح والخسارة على المستوى الشخصي هي المحدد حتى لبقائهم على الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 48، وقد تكون الهجرة المعاكسة هذه الأيام والتي تقدر ب20% تعبيراً حياً عن نظرتهم لقضايا الصراع النهائية مع العرب. وبالنسبة للفلسطينيين فحدث ولا حرج، وكما يقول المثل الشعبي الدارج «المبلول لا يخاف رشق المطر». فالفلسطينيون بعد كل الذي قدموه من تضحيات جسام لا يمكنهم التراجع رغم مكبس الضغط الشاروني، إلى ما رفضوه في «كامب 2» والذي يعتبر بحق أعلى سقف بالنسبة للإسرائيليين، قد يقدمونه في مسار التسوية والصراع على الجبهة الفلسطينية راهناً. بالإضافة إلى كل هذه القضايا مجتمعة لا بد لنا من استكشاف كل القضايا الصراعية بكل وضوح في الرؤية، فعلى الرغم من كل ما يقال عن انحياز الطرف الأمريكي لإسرائيل، وهو بكل تأكيد يحمل كل الصحة، إلا أن الولايات المتحدة لها استراتيجيتها العامة في المنطقة التي تقف حائلاً دون أن ينفذ شارون ما يحلم به، ولعل المثل الصارخ الخروج الأخير للجيش الإسرائيلي من غزة والذي كان بفعل الموقف الأمريكي الرافض لهذا الدخول أو الاجتياح، والتي خلقت حالة من التناقض داخل حكومة شارون وداخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية نفسها، وأن الولايات المتحدة لن تسمح لشارون أو غيره بكسر إرادتها، والتأثير على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. وختاماً يمكننا القول أن شارون إذا ما بقي مصراً على رهاناته، فهو يغامر بآخر أحلامه الأمنية، خاصة وأن الجغرافيا هذه الأيام بعد خروج الجيش الإسرائيلي من الجنوب اللبناني أصبحت سهلة المنال، وانتقل الأمر من توازن الرعب إلى توازن الدمار إذا ما أراد شارون الاستمرار في سياسته الجهنمية. ـ كاتب فلسطيني