ماذا يمكن أن يُقال عن الحكومات العربية التي امتنعت عن إرسال ممثلين لها إلى دمشق هذا الأسبوع للمشاركة في الاجتماع المقرر لمكتب مقاطعة إسرائيل التابع للجامعة العربية سوى أن تلك الحكومات تبنّت لنفسها سلفاً موقفاً معارضاً لمقاطعة الدولة اليهودية؟ إنها فضيحة بكل معنى مخزٍ للكلمة. لقد اتخذ قرار عقد الاجتماع رسمياً في اجتماع القمة العربية في عمّان الشهر الماضي، كما ورد في البيان الختامي للقادة المجتمعين. وكان قراراً ذا مضمون خاص لأن مكتب مقاطعة إسرائيل فشل في عقد أي اجتماع لمدى ثماني سنوات. وهذا الذنب له عذر أقبح منه. فاكتمال عقد الاجتماع لم يكتمل طوال هذه السنوات لأنه في كل مرة لا يتحقق نصاب ثلثي الأعضاء المنصوص عليه. وكان الظن إذن ان اجتماع قمة عمّان قد حسم الأمر... لأن قرار إحياء المقاطعة العربية الاقتصادية لإسرائيل اتخذ بالاجماع. فلو كان لأي واحد من القادة العرب المشاركين في القمة تحفظ تجاه نظام المقاطعة مبني على أسباب لا يستحي صاحبها من الإعراب عنها لنهض وأحاط بها الاجتماع علماً. لكن جاءت التجربة العملية الاختبارية لتفضح ثقافة البيانات التي يتناقض فيها اللفظ المعلن مع المعنى المضمر. فقد كان الفشل حظ أول دعوة لاجتماع المقاطعة بعد القمة مباشرة ـ وللسبب نفسه السابق: عدم اكتمال النصاب. وبالقراءة الرقمية يعني هذا الفشل أن نحواً من ثماني دول عربية على الأقل، بتخلفها العمد عن المشاركة في اجتماع دمشق هذا الأسبوع، ترفض إحياء نظام المقاطعة ضد إسرائيل. ومما يؤكد أن هذا التخلف العمد مبني على سبب يستحى من ذكره هو أن حكومات هذه الدول لم تعن بإرسال رد على خطاب الدعوة للاجتماع الصادر عن مكتب المقاطعة بدمشق. فقط تجاهلت الخطاب. وبالطبع أتبعت التجاهل بالامتناع عن إرسال ممثل إلى الاجتماع. وإزاء هذا الوضع المؤسف والخطير معاً فإن الشعوب العربية يجب أن تعرف الحقيقة. وعليه فإنه مطلوب من الأمين العام للجامعة العربية إصدار بيان رسمي يتضمن أسماء الدول التي تخلفت عن اجتماع هذا الأسبوع... وأيضاً تلك التي ظلت تُمارس التجاهل والتخلف لمدى السنوات الثماني الأخيرة. فالشعوب العربية تريد قطعاً أن تعرف من هي تلك الحكومات التي لها موقف ضد المقاطعة العربية لإسرائيل في الوقت الذي تواصل القوات الإسرائيلية الاحتلالية صب الحميم على جماهير الشعب الفلسطيني حتى داخل منازلهم من البر والجو والبحر. وفي كل الأحوال فإن فشل اجتماع المقاطعة الأخير يفضح أسطورة التضامن العربي على الصعيد الحكومي مع الشعب الفلسطيني. فالبيانات العربية الرسمية لا تعكس سوى موقف نظري للحكومات لا يكلفها شيئاً. ولهذا فإنها تبقى الأسلوب المفضل للتعاطي العربي الرسمي تجاه إسرائيل والولايات المتحدة شريكها الاستراتيجي. لكن تطبيق نظام المقاطعة الاقتصادية والتجارية يعني الخروج من دائرة التنظير إلى دائرة الفعل. وهذا بالضبط ما تخشاه بعض الحكومات العربية. ولأنها لا تستطيع أن تعبر عن هذه الخشية جهراً دون فضح استجابتها للضغوط الأمريكية، فإنها تلجأ إلى أسلوب التغيب عن اجتماعات المقاطعة دون تفسير.