في العام الماضي صدر كتاب مهم يحمل العنوان التالي: «الإيكولوجيا الرشيدة: البيئة والاقتصاد السياسي» مؤلف الكتاب، الأستاذ جون دريزيك حرص على أن يوضح بجلاء كيف أن البشر لا يحلون المشاكل، التي تصيب البيئة التي يعيشون فيها بقدر ما أن نشاطهم وأعمالهم تؤدي إلى تدمير هذه البيئة بحد ذاتها. إنهم ـ كما يؤكد المؤلف ـ ينقلون الآثار الخطيرة الناجمة عن التلوث وعن استخراج واستخلاص الموارد الطبيعية من الأرض والبحر.. السطح والأعماق ثم لا يتورعون عن أن يتركوا ما يتخلف عن ذلك ـ رغم آثاره السلبية المدمرة في بعض الأحيان ـ كي تصيب كل ما حولهم من عناصر وكائنات ومخلوقات، يستوي في ذلك أرواح البشر وعناصر البيئة الطبيعية التي لا غنى عنها كي يعيش هؤلاء البشر.. ويكسبون ويتنفسون الا ترى ـ مثلاً ـ إلى دول تحمل صفة «المتقدمة» وقد مضت في استخدام التكنولوجيات النووية ثم اذا بها وقد تركت الآثار الجانبية الاشعاعية الناجمة عن ذلك الاستخدام تركة مثقلة فادحة الخطر ـ جسيمة العواقب.. للأجيال التي ما زالت في ضمير المستقبل؟ الجيران المستضعفون والمسألة لا تتوقف عند جيل راهن وجيل قادم داخل حدود البلد الواحد.. إنها تتعدى حدود الأقطار حيث يشهد العالم حالياً أخبث أنواع التصدير عبر الحدود.. ونقصد بهذا تصدير الملوثات الكربونية سُميّة المحتوى والعالقة بالغلاف الجوي من بلد المنشأ الذي يتسبب بها ثم يتركها دون ضابط أو رابط أو ضمير لكي تتسرب وتنتشر في الفضاء إلى أقطار أخرى مجاورة لا ذنب لشعوبها فيما تصاب به من علل وأدواء. الأستاذ «جون دريزيك» مؤلف الكتاب الذي أشرنا إليه يطلق على هذه السلوكيات وصفاً خاصاً ومميزاً وهو: .. الازاحة عبر المكان وعبر المكان. ويعني بهذا أن هناك دولاً وحكومات ونظماً وشعوباً تعمد إلى ازاحة الخطر من إقليمها إلى أقاليم أو أراضي الآخرين وتعمد إلى تأجيل عواقب الخطر من جيل موجود لكي تواجهه أجيال المستقبل والضحية هنا هم المستضعفون في كل حال.. سواء كانوا الجيران.. من سكان كوكب الأرض من أهل الأقطار النامية ـ المتخلفة أو الفقيرة ممن كتب عليهم أن يصابوا بالتلوث الكربوني أو الاشعاعي بغير ذنب اقترفوه أو سواء كانوا أجيالاً لم تخرج بعد إلى حيز الوجود وانما أصبح مكتوباً عليها أن تتناهى إليها مواريث مثقلة بأخطار لا ذنب لهم فيها. وأجيال الغد أيضاً من هنا كان طبيعياً لهذه الازاحة المكانية أو الزمانية ان تؤدي إلى اثارة قضايا أخلاقية يتجسد محورها في مقولة جوهرية وبسيطة هي: ـ إن الأقوياء يتسلطون على المستضعفين. على أن هؤلاء الأقوياء ـ المتقدمين تقنياً وعلمياً والمتجبرين أحيانا والمتسلطين ـ بحكم الظروف الراهنة على مقاليد كوكب الأرض يمارسون ظلماً فادحاً بيّناً بحق جيران اليوم وأجيال الغد. ولأنه لا جديد ـ كما يقولون ـ تحت الشمس، فقد سبق للعالم أن عايش تجربة هذا الظلم الفادح الصارخ ربما منذ أوائل القرن العشرين. وفي الدراسة التي أصدرها البروفيسور «بول فابنر» عن الجوانب الأخلاقية من القضية البيئية، يحيلنا الباحث إلى تجربة لندن في تلك الفترة مع معاناة تلوث الهواء نتيجة احتراق كميات الفحم ـ الوقود المعياري المستخدم منذ 100 عام بكل مخلفاته وانبعاثاته الكربونية المعروفة. يومها بدأ سكان العاصمة البريطانية ـ الامبراطورية في تلك الأيام يعانون مشاكل صحية في الجهاز التنفسي. وكان كل ما فعلته سلطات لندن هو أن أمرت ببناء مداخن شاهقة الارتفاع أشبه بتلك المنصوبة على مباني المصانع أو فوق صهوة السفن الكبرى.. وكان من شأن هذه المداخن الشاهقة أن حملت جزيئات الكربون وذرات السناح (الهباب ـ السخام بعد اذنك) خارج لندن إلى حيث «أهدته إلى أهل الأرياف المحيطة بالعاصمة، ثم قامت «بتصديره» عبر القنال الانجليزي إلى شمال فرنسا ومنه إلى سائر أنحاء القارة الأوروبية. وفي هذا السياق يعلق الأستاذ «فابنر» قائلاً: ـ إن هذا السلوك ما زال متبعاً حتى اليوم، والحاصل أن كثيراً من دول أوروبا (الغربية) ومن بينها بريطانيا تطلق في الجو انبعاثات خطرة تسببت بدورها في زيادة منسوب الأمطار الحمضية التي أصابت القارة الأوروبية بين طولها وعرضها. وعلى سبيل المثال، فقد دأبت كل من السويد والنرويج (وهما من الدول التي تعد نظيفة أو هكذا كانت سمعتها) على الشكوى، منذ عقد الستينيات الماضي بأن الأمطار الحمضية التي تقاسيها داخل حدودها كانت ناجمة عن مؤثرات وافدة من خارج الحدود. تجارة دولية شريرة والأنكى من ذلك أن من دهاة الاحتكارات التجارية ما أصبح يقوم على أنشطة مستجدة وخبيثة في تصورنا هي: «الاتجار الدولي في المخلفات السامة». فهناك كثرة من الشركات ـ معظمها في البلدان المتقدمة صناعياً وتكنولوجياً.. وهي تنتج أو يتخلف عن أنشطتها نفايات هي من الخطورة بمكان بحيث يقتضي أمر تصريفها والتخلص منها مبالغ باهظة داخل مواقع الانتاج التي تملكها تلك المؤسسات الصناعية الكبرى وفي مقدمتها طبعاً احتكارات المواد الكيماوية وما في حكمها. يؤدي ذلك ـ كما يؤكد الخبراء والمراقبون ـ إلى ارسال هذه المخلفات ـ النفايات السامة خارج حدود المواقع الانتاجية بل ويمعن القوم في هذه السلوكيات معدومة الضمير فيقومون بتصديرها إلى الخارج. ولما كان تصريف هذه النفايات البشعة أغلى في بلدان الشمال المتقدمة الموسرة عنه في أقطار الجنوب المهيضة الفقيرة.. فلك ان تتصور أن هذه المخلفات الخطرة ـ الاشعاعية أحياناً ـ تتبع في زماننا مساراً واحداً من الشمال إلى الجنوب باستمرار وليس العكس بحال من الأحوال. السموم في الثمانينيات يقف هؤلاء الخبراء والمراقبون عند عقد الثمانينيات بالذات ويصفونه بأنه كان أخطر المراحل الزمنية التي شهدت ذروة تنامي هذه التجارة الخطرة على مستوى العالم. ففي مدى سنتين من ذلك العقد قام تجار الخطر والسموم من أقطار الشمال بشحن 3.6 ملايين طن من المواد السامة إلى بلدان نامية وهو الأمر الذي دعا المجتمع الدولي إلى أن يتنبه لفداحة هذا الجرم ـ اللاأخلاقي في التحليل الأخير ـ ومن ثم نشطت دوائر دولية شتى طيلة التسعينيات إلى عقد اتفاقات كثيرة لتنظيم هذه العمليات ـ تكرر تنظيمها وليس لحظْرها دع عنك تحريم ممارستها. ورغم أن اتفاقية بازل جاءت خطوة إيجابية في هذا المضمار، إلا أنها ليست بكافية لدرء الأخطار المحتملة من ناحية، فضلاً عن وجود ثغرات في أحكامها وبنودها بحيث لا يزال هناك من يستغلها من المتاجرين بنفايات الموت من أجل نقل هذه المواد عن طريق الدول غير الموقعة على الاتفاقية، فما بالك والاتفاقية تسمح بهذا النوع من النقل إذا ما احتوت الشحنات المنقولة على عنصر يمكن تدويره أو مادة يمكن اعادة استخدامها مما يضفي على الشحنات نوعاً من البراءة والمنفعة. هذا النقل المكاني لمواد الخطر يواكبه ـ كما أسلفنا في صدر هذا الحديث ـ نقْل أو ترحيل زماني من جيل راهن إلى أجيال قادمة. نحن اليوم نفيد من التكنولوجيات النووية التي تزود حضارة اليوم بجزء من احتياجات الطاقة وتساعدها على تلبية بعض مقتضيات الطب والعلاج واللهم لا اعتراض على ذلك.. لكن المشكلة، وهي ليست بالهينة، تتمثل في أن البشر لم يصلوا بعد ـ رغم كل هذا التقدم ـ إلى سبل ناجعة للتخلص المأمون من مخلفات هذه العمليات النووية. وعلى سبيل المثال فبعض النظائر المشعة يمكن أن تظل منطوية على الخطر لسنوات إن لم يكن لأجيال وحقب زمنية طويلة. يقف الأستاذ «فابنر» عند البعد المعنوي ـ الأدبي أو الأخلاقي لهذه المشكلة ـ التقنية في أساسها فيقول: ـ بغير التوصل إلى طرائق آمنة لتصريف هذه النفايات النووية.. نعمد نحن ـ أبناء الجيل الحالي ـ إلى «حل» مشكلة العادم النووي لا بتصريفه ولكن بإزاحته أو نقله إلى الذين يأتون من بعدنا. ورغم ما يبدو من براءة ظاهرة على سطح هذا السلوك، إلا أنه يكشف في جوهره عن نوع من الاستهانة بأجيال المستقبل بل يوحي بأن الأجيال الحالية تتصور نفسها وكأنها في مكانة أسمى وقدر أرفع من البشر الذين لم يولدوا بعد أو كان أهل الحاضر يرون أنهم أكثر استحقاقاً وأعلى جدارة من أهل المستقبل نفس الافتقار إلى وازع الضمير وسلوكيات الأخلاق يرصدها الاختصاصيون عند الذين يتسببون وقد تسببوا بالفعل في حدوث ظاهرة التساخن العالمي أو الكوكبي. ثم إذا بهم يتنصلون من مسئولياتهم في هذا الخصوص تحت ضغوط احتكارات الاقتصاد وجماعات الضغط ودوائر المصالح وأحياناً عوامل الانتخابات والترشيخ المحلية في هذا البلد المتقدم أو ذاك. شعوب يهددها الغرق وليس لأحد أن يستهين بظاهرة الدفيئة ـ التساخن ـ الاحترار أو الاحتباس الحراري. المسألة ليست مجرد كيف أو مزاج أو شعور بالضيق من ارتفاع درجة الحرارة فما زال في البشر قدرة على التحمل وهناك شعوب تعرف طعم المعاناة والجهاد في سبيل الحياة ولم يصدق عليها وصف الشاعر العربي القديم للكائن الرقيق المنعم المرهف بأن «خطرات النسيم تلفح خديه ـ دع عنك أن وشيء الحرير قد يُدمي بنانه..! المسألة أخطر من ذلك بكثير. ومرجعنا في هذا هو آراء صفوة علماء المناخ والارصاد في العالم وقد اجتمعوا في إطار مجموعة عمل نظمتها الأمم المتحدة وهي: .. «فريق الخبراء الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ» هذا الفريق يتنبأ بأنه ما لم يتخذ العالم اجراءات ناجزة وفعالة لخفض ظاهرة الدفيئة ـ الاحتباس الحراري (جرين هاوس) فلسوف ترتفع درجة حرارة الأرض بمقدار 3.6 درجات فهرنهيت بحلول عام 2010 ومن ثم تواصل الارتفاع بمقدار يصل إلى 6.3 درجات فهرنهيت يؤثر هذا على ارتفاع مناسيب سطح البحر فتغطي ـ إلى حد الإغراق ـ على مخزونات المياه العذبة عند خطوط السواحل وإلى غرق السكان المقيمين في تلك المناطق الساحلية وإلى أن تغوص تماماً بعض الجزر المأهولة ـ وبعضها دول وبشر ومجتمعات ـ إلى قاع المحيط. يؤثر هذا أيضاً على زراعة العالم كله تأثيراً سلبياً ويؤثر على تواجد كائنات حية في البر والبحر سوف يضطر العديد من فصائلها إلى الهجرة من موقع وجودها التماساً لأجواء أقل حرارة وربما أكثر مواتاة. ومرة أخرى يقول باحثنا الأمريكي، البروفيسور «بول فابنر»: ـ وفيما تتوافر دلائل حالياً تشهد بأن المناخ يتغير بالفعل في أنحاء متفرقة من العالم، إلا أن معظم هذه التغيرات جديرة بأن تحدث في المستقبل. ومرة أخرى سوف يتعين على أجيال المستقبل أن تدفع ثمن الممارسات الخاطئة المختلة التي تنهجها أجيال الحاضر. وذلك أمر مجاف بدوره لشرعة العدل ونواميس الأخلاق.. أجيال راهنة تتصرف في كوكب الأرض وموارده بشكل غير رشيد أو غير مسئول كأنما الأرض ومواردها ملكية خالصة لأهل الحاضر بينما الأمر على خلاف ذلك تماماً. دع الجبال تتكلم وفي عام 1995 صدر كتاب يجمع بين رصانة العلم وطرافة التناول وجاء عنوانه كما يلي: .. «دع الجبال تتكلم ودع الأنهار تجري: دعوة إلى الذين يريدون إنقاذ كوكب الأرض». وفي الكتاب يقول مؤلفه الأستاذ ديفيد براور: «نحن لم نرث الأرض من آبائنا.. نحن نستعيرها فقط من أبنائنا». ويا له من قرض مجحف ويا لها من إعارة باهظة التكاليف بمعنى أن استعرنا الأرض لكي نعيث في جنباتها تدميراً للبيئة في البر والبحر ولكي نمعن في مواردها إنضاباً واهتلاكاً واستنفاداً لا نكاد نترك لأجيال المستقبل سوى أعباء لم تستطع كواهلنا نحن أن تتحمل تبعاتها ونحن بهذا نختار أن نتجاهل نوعية الحياة الجديرة بأن يعيشوها. الكون وتوازن البيئة من هنا لابد من إيلاء النظر إلى الأبعاد الأخلاقية أو المعنوية في قضية البيئة. فالمسألة كما نرى ليست مجرد أرصدة سمكية يقل حجمها أو درجة حرارة يزداد معدلها أو تربة زراعية معرضة للتفتت أو تلوث مياهها الجوفية.. المسألة تشمل هذا كله.. وتشمل أيضاً ضرورة حفظ الأنواع الحيوانية والنباتية المهددة بالانقراض من فوق سطح كوكبنا من جراء تصرفات الإنسان طمعاً في عاجها أو فرائها أو جلودها أو زيوتها.. وحفظ هذه السلالات ليس لمجرد الشعور الخيري بالرضا عن النفس ولا هو لمجرد إرضاء الهواة أو المتبرعين أو الغيورين الداعين إلى ما أصبح يعرف بأنه حقوق الحيوان..المسألة الأعمق هي أن هذه المخلوقات الحية من دابة أو نبات هي جزء لا يتجزأ من التوازن الإيكولوجي المرهف والمطلوب الحفاظ عليه على نحو ما فطرته عليه عبقرية المبدع جل شأنه وقد خلق كل شيء عنده.. بمقدار. والنظرة الفلسفية ـ الأخلاقية، الأوسع والأشمل لابد وأن تفضي بكل امريء ذي بصر وبصيرة إلى القول ـ مؤمناً يقيناً ـ بأن كل كائن يدب على سطح الأرض له دور وله وظيفة يؤديها في حفظ التوازن الإيكولوجي المطلوب.. وإن الله لم يخلق هذا باطلاً سبحانه. في هذا الإطار نشأ علم أخلاقيات البيئة أو تخصص الأخلاقيات الإيكولوجية.. وهو لا يشكل مبحثاً مجرداً في مجال الأخلاق، ولكن أستاذته يربطون بينه وبين العلاقات الدولية والمصالح التي تعود على البشرية ـ أجيالها الحاضرة والمقبلة على السواء. الأخلاقيات البيئية في هذا الخصوص يقول البروفيسور «جون باركدول» أستاذ علم السياسة في جامعة تكساس: ـ إن الأخلاقيات البيئية لا ينبغي التعامل معها وكأنها مبحث إضافي أو قضية تطرح على بساط البحث بعد أن يفرغ القوم من تدارس وتسوية سائر القضايا المتعلقة بالأمن والسلام وأمور الاقتصاد. بل علينا أن ندرك أن جميع خياراتنا الاجتماعية المهمة هي في جوهرها خيارات متصلة بعالم «الطبيعة» الذي نقيمه من حولنا. ولقد نعلن من جانبنا بأنه ينبغي لعلم السياسة المعاصر أن يوسّع آفاقه لكي يشمل جوانب جديدة شتى في عصرنا.. في مقدمتها محاولة فهم العلاقة التي تربط الإنسان بالبيئة في إطار من التوازن الذي يجعل الإنسان يدرك بحق أنه لا يعيش وحده فوق كوكبنا. وفي هذا يقول الأستاذ باركدول: ـ البشر له قيمة معنوية، ولكن بوصفهم كائنات حية ليس إلا.. بقدر ما أن سائر الكائنات الحية لها بدورها قيمتها المعنوية.. إن الدب الأشهب في أن ينعم بمساحة يعيش فيها ويربي صغاره له حق يساوي (إن لم يكن يفوق) الحق الذي تتمتع به شركة تعمل في المساحة نفسها لقطع أخشاب الغابة واجتثاث أشجارها في مقابل أرباح أكثر من طائلة. تلك أفكار نراها جديرة بمزيد من التأمل وهو ما قصدنا إليه في سياق هذه السلسلة من الأحاديث عن البيئة وأبعادها وهمومها وأخلاقياتها. ـ كاتب سياسي من مصر