رغم مرور ثلاثة وخمسين عاماً على اغتصاب فلسطين وإنشاء الكيان الصهيوني الغاصب فوق أرضها وتشريد أهلها، لم يقم العالم العربي بمراجعة حقيقية للصراع مع هذا الكيان لمعرفة أسباب انكساراتنا، وهزائمنا على مر حقب المواجهة وصولاً إلى الوضع السييء الذي أصبحنا نعيش فيه. أكثر من خمسة عقود، وهذا الكيان الغاصب يزداد توسعاً وإجراماً وتطاولاً على الإنسان والأرض العربية، في حين أننا ـ نحن العرب ـ نزداد تراجعاً وتقهقراً إلى الخلف، ونفقد كل يوم المزيد في المواجهة مع هذا الكيان. نحتاج الآن وبعد كل هذه السنوات، أن نسأل أنفسنا عن أسباب هزيمتنا أمام هذا المشروع الاحتلالي، الذي وضع لنفسه منذ زرعه على الأرض العربية برنامجاً محدداً، وقام بتنفيذه بدقة، في حين أننا تعاملنا معه بسذاجة غريبة، لم تصل يوماً ـ إلا في استثناءات محدودة ـ إلى درجة الفهم الكامل لأبعاده الحقيقية. لم تكن للعرب خلال سنوات الصراع مع الكيان الصهيوني رؤية محددة في مواجهته، بل كانت الأمور تسير وفق الأهواء والأمزجة، والتي كانت دائماً في حال تغير مستمر، وبالتالي لم نصمد في المواجهة، وازداد الاحتلال قوة، قابلها في الوقت ذاته زيادتنا في الضعف. آن الأوان لإجراء مراجعة شاملة لحيثيات ويوميات هذا الصراع، لنعرف على وجه الدقة، وبدون أي إحساس بالمرارة طبيعة العوامل التي أدت إلى انكسارنا أمام مشروع احتلالي، كان من الممكن وأده إذا أحسنا التصرف، وكان من الممكن تقويضه إذا درسناه جيداً وتعاملنا معه بشيء من الجدية. والمراجعة المطلوبة يجب أن تكون مراجعة نقدية، تنتقد خطابنا السياسي العربي على مر سنوات وعقود الصراع، وكذلك وسائل إدارتنا للمواجهة، وكيفية التعامل مع هذه العصابة التي تحولت إلى كيان غاصب، خلال السنوات والعقود المقبلة. وإذا لم تفتح تلك المراجعة كافة الملفات الغامضة في تاريخنا العربي، فإنها لن تكون ذات جدوى، وسيستمر حالنا من سييء إلى أسوأ، ومن انحدار إلى انحدار، وبالتالي لا نفاجأ إذا وجدنا هذا الكيان الغاصب يتمدد على أرض عربية أخرى، ويدعي أنها ضمن خارطة «أرض الميعاد».