في جيبي ورقة خطرة بها الغاء لوجود اخر، امشي بها وكأن قنبلة موقوتة زرعت بقرب قفصي الصدري وانا مشتعل كالفتيل بين ابعادها عني تاركا لها فرصة الاحتراق على يدي لكي تصبح امرا مشاعا لكم، و بين ان ابقيها تاركا امري للريح تطوح به كيفما شاءت لتزيدني استلابا، الا ان وجه ذلك الشاب الشهيد عماد كامل الزبيدي الذي نفذ عملية كفار سابا وعينيه اللتين رمى بصدقهما في بؤرة عدسة آلة التصوير وهو يحمل المصحف المطهر ويشهر سبابته بالشهادة اطفأ احتراق الورقة اللعينة في جيبي وانساني ألمها. عماد له وجه تنز منه السماحة وابتسامة بسيطة لا تتطاول على وجود الاخرين وجبينه جبين من لا يقبل التدليس والخيانات وهيئته هيئة فتى لا يعرف منطقا للون الرمادي المراوغ في تعامله الصادق مع قضية اهله وارضه، ولانه هكذا ناصعا كبياض الثلج وقف امام خارطة كبيرة لوطنه الحلم ملصقة على جدار طالما اتكأت عليه طفولته وطفولة مئات الاستشهاديين الذين يولدون من بطون امهاتهم ليقرروا الرحيل نحو مواقفهم الصادقة دون كلام، دون ثرثرات، بصمت فقط يضغط احدهم على مفجر عبوة ناسفة حول احشائه، او سيارة ملغومة يقودها في وجه كل من الغوا حقوقه ووجوده واستلبوه عنوة صولجانات ارادته. مثل عماد الزبيدي في تاريخ النضال الصادق كثيرون كانوا اكتافا عبر عليها اخرون نحو الصعود وصار صدقهم عند غيرهم من اصحاب النضال المزيف الاناني المسموم محطات اعتلاء نحو اطماع مريضة. فكم من جنرالات الحرب وقياداتها بنوا عروش امجادهم على صفحات التاريخ على حساب جنود بسطاء عاقروا الصدق والولاء للمقولات وكانوا في النهاية خسارات عظمى لحساب نفوس زائفة. في سيرة النضال تذهب ارواح طاهرة وتبقى أحياناً ارواح شيطانية تجد لذتها العظمى في لوك سير الشهداء على موائد من جاه وعز شيدوا خيامها في ذاكرة الشعوب فتغنت الاخيرة باسم الباقين ولاكت ابخرة الخيانات اسماء من تمزقوا في ساحات المواجهة. هذا ما يكسرنا دائما وهذه المعادلة الحقيرة هي التي تسجل في التاريخ الحقائق على غير الحقائق، يأتي الجنود من بطون امهاتهم مشاعة ارواحهم للارض، ويأتي من يتربع على الكرسي نفر يقتات من ظلال الجثث نصرها ويجنيه كما تجنى السنابل. عماد الزبيدي اعتمر خرقة باللون الاخضر واسدل اخرى على كتفيه، حمل المصحف بيد واشهر سبابة الشهادة بالاخرى وابتسم ابتسامته التي لا تخدش بصر الناظر اليه وشمخ بوجهه الفتي ونظر الى عدسة المصور وقال بعينيه انني ذاهب الى ساحة الحقيقة، ترى لماذا لم يفكر الفتى عماد بنفس طويل ان الامر لا يحتاج الى شحنة ناسفة بل خطاب ممل يلقيه من على ركام احد البيوت التي هدمتها جرارات الجيش الاسرائيلي؟ لماذا يقرر قطع حياته عند هذا الحد؟ وهو يعلم ان ساساته املوه بالحل السهل البسيط؟ لو لم يذهب عماد لربما قال انني لا ارغب في وجود مهزوم ومستلب بالخديعة الكبرى، ربما قال اكثر من ذلك وأصدق.