تقوم الحاجة إلى أن تُكرّس الدول العربية حكومات وشعوباً نفسها للبناء في مجالات كثيرة. وتختلف الدول العربية بعضها عن بعض في مدى تحقيقها أوعدم تحقيقها لهذا الهدف. وتوجد عوامل مختلفة تعيق هذا التحقيق أو تبطئه أو تؤخره. ومن هذه العوامل الداخلية والخارجية التي تمارسها قوى أجنبية، ومنها دول استعمارية، تريد، وهي تستلهم مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية، أن تُبقي ظروف الدول العربية قلقة. والانقسام المؤسف بين عدد من الدول العربية يشكّل أساساً ممتازاً لمزيد من التدخل من جانب قوى أجنبية في الشئون الداخلية للدول العربية ولمزيد من الاضطراب. ولهذا الانقسام أسباب مختلفة، منها اعتماد بعض الجهات العربية على قوى أجنبية لها رؤى سياسية واقتصادية وأيديولوجية تتعارض أو على الأقل لا تتفق مع تصورات الشعوب لمصالحها السياسية والاقتصادية ومع قيمها ورؤاها العقيدية. ومن هذه الأسباب أيضاً اختلاف تصورات أفراد الشعوب لمصالحهم على المدى القريب والبعيد. ويعزى اختلاف هذه التصورات إلى أسباب منها اختلاف الخلفيات الاجتماعية واختلاف التنشئة واختلاف مدى التأثر بالثقافات الأجنبية، وأيضاً التركة الاستعمارية المقيتة التي أوجدت اختلافاً في رؤى الناس لمصالحهم. لقد أسهمت هذه التركة في جهل قطاعات ذات تأثير من الشعب بجوانب التراث الثقافي والحضاري العربي الزاهي. الثقة بالنفس إن قروناً من السيطرة الأجنبية من جانب دول وجهات تتبنى فلسفات مختلفة في الحياة وتتخذ مواقف معادية أو غير ودية تجاه الدول والشعوب العربية تركت أثراً سلبياً في حياة هذه الشعوب. ولولا جوانب مشرقة وإيجابية من التراث العربي وأسس حضارية عربية راسخة لفقد العرب منذ وقت طويل فقداناً تاماً هويتهم القومية إزاء هذا الغزو الفكري والعداء من جهات أجنبية والسيطرة الأجنبية والروح المادية الغربية المستفحلة. وتدس جهات أجنبية مختلفة السم في الدسم لتدمير النسيج القومي والإنساني والديني العربي ولإضعاف ما لدى العرب من الأصالة القيمية ومن التماسك القيمي. ولتسهيل تنفيذ سياسات قوى ودول غربية استعمارية حيال بلدان العالم الثالث ولتسهيل سيطرة تلك القوى والدول على تلك البلدان، عملت تلك القوى والدول بنجاح كبير من أجل إفقاد شعوب تلك البلدان ثقتها بنفسها ومن أجل إشاعة صورة سلبية في صفوف تلك الشعوب عن نفسها. وتكثر الصور السلبية المشوهة التي تصدرها جهات غربية عن العرب والمسلمين لأغراض منها إفقادهم لثقتهم بأنفسهم. ومما يحز في النفس أن عدداً كبيراً من العرب صدّق مضامين هذه الصور المتحيزة والمغرضة والخاطئة وفقدوا ثقتهم بأنفسهم حيال الغرب، وأصبحوا يرفضون تراثهم ويتشككون في اشتمال هذا التراث على جوانب علمية وفلسفية وإنسانية مشرقة. ومما من شأنه أن يُسهم في سير العرب على درب الحداثة وفي زيادة تبنيهم للطريقة العقلانية في التفكير هو أن يستعيدوا ثقتهم بأنفسهم حيال الغرب والحضارة الغربية، إذ أن الإنسان أو الشعب يمكنه، من الناحية النفسية، تبني أو زيادة تبني الطرائق العقلانية في التفكير والسلوك وهو واثق بنفسه. حماية الهوية وللتأثيرات الخارجية القوية بشتى أشكالها ومجالاتها أثر مهم في تعزيز تيارات فكرية معينة وفي إضعاف تيارات فكرية أخرى في الوطن العربي. وخارج هذا الوطن وداخله تحوم صقور على أهبة الاستعداد لأن تنقض على أصحاب اتجاهات فكرية مختلفة ولأن تفترسهم وتبطش بهم. ويظن قسم من العرب أننا باقتباسنا للمظاهر الخارجية الغربية نحقق التقدم. ويقع من لديه هذا الظن في خطأ جسيم. فالاقتباس من جوانب من ثقافة الآخر، من قبيل تبني بعض قيمه وارتداء ملابسه وقبول نظرته إلى الحياة والتخلق بخلقه، دون أن ندرس مناسبة هذه الجوانب الأجنبية لقيمنا ودون التمييز بين الصالح والطالح من تلك الجوانب ودون دراسة مدى اتفاق مضامين تلك الجوانب مع الجوانب الإيجابية المشرقة من جوانب تراثنا وحضارتنا، هذا الاقتباس يضر بالهوية الثقافية والقومية العربية ويحول دون حدوث التطور الاجتماعي والثقافي والسياسي السلس والطبيعي. ومن غريب أمر دعاة القيام بهذا الاقتباس أن جوانب كثيرة من تلك المظاهر الثقافية الغربية تتضمن نظرة استعلاء على الشعوب غير الغربية ونظرة محقرة لتلك الشعوب. وليحافظ العرب على بقائهم القومي والحضاري من اللازم المحافظة على الجوانب الايجابية الكثيرة في تراثنا والأخذ بها في حياتنا. ولا تتعارض تلك المحافظة وذلك الأخذ مع تحقيقنا للازدهار الاقتصادي أو القوة السياسية أو تجنب السيطرة الأجنبية. إن من يعتقد بأن تلك المحافظة تحول دون تحقيق تلك الأهداف قد لا يعلم بكثير من جوانب تراثنا الحضاري الثري. وأولى بالذين يصدرون الحكم على الجوانب الإيجابية والعلمية والحضارية في تراثنا أن يطلعوا عليه وأن يدرسوه قبل إصدار الحكم عليه. فليس مما يتفق مع الطريقة العلمية أو الموضوعية أن يصدر المرء حكماً على شيء هو يجهله. ولا يمكن للجوانب الإيجابية والعلمية والمشرقة في التراث أن تكون ذات أثر إيجابي في الحؤول دون حدوث التحلل الاجتماعي والخلقي في هذا العصر الذي شاعت وراجت فيه دواعي هذا التحلل، وخصوصاً في الغرب المغالي في النزعة المادية والاستهلاكية، الغرب الذي لا تتورع جهات مالية وتجارية فيه عن أن تستعمل شتى الوسائل الرديئة خلقياً، من قبيل الاتجار بالأطفال، من أجل إيجاد الثروة وتكديس الأموال. ـ أستاذ الدراسات الشرق أوسطية في الولايات المتحدة