على الرغم من أن الحرب الباردة انتهت رسمياً بتفكك الاتحاد السوفييتي السابق، إلا أن الحياة الدولية الجديدة التي لم تكتمل ملامحها بعد تظهر بعض المؤشرات على أن الحرب الباردة، قد عادت مجدداً بين الولايات المتحدة وجمهورية روسيا التي ورثت ترسانة نووية عن الاتحاد السوفييتي السابق أبقتها قوة عُظمى في لعبة التوازنات العسكرية الراهنة وترغب اليوم أن تحيي مجد روسيا القديم وتلعب دوراً مؤثراً في الحياة الدولية. فالرئيس الروسي فلاديمير بوتين أعلنها صراحة أن بلاده ستراجع سياستها العسكرية إذا أصرت الولايات المتحدة الأمريكية على تنفيذ مشروعها للنظام الدفاعي الصاروخي، وقال إنه لم يفهم لماذا تطلب منه واشنطن أن تغلق روسيا بعض المركبات الصناعية العسكرية التي لا تزال تنتج بعض الأنواع من الصواريخ الاستراتيجية، بينما تصر أمريكا على المضي في تنفيذ مشروعها للدفاع الصاروخي وكأنها لا تزال تواجه عدواً مباشراً، فإصرار أمريكا على تنفيذ مشروعها سيُرغم روسيا على إعادة النظر في سياستها العسكرية لأن لها هي الأخرى مصالح استراتيجية تتطلب منها أن تحميها. والمعروف عن الرئيس الروسي أنه يتطلع إلى إعادة مكانة روسيا الدولية، وهو يعرف أن الولايات المتحدة الأمريكية خاصة مع الرئيس الأمريكي الجديد تحاول أن تضيّق الخناق على روسيا أكثر لمنعها من أن تكون لها المقدرة على التأثير في الساحة الدولية، ويعرف بوتين أن واشنطن تشترط أن تفتح روسيا ملفها العسكري بكامله لكي تحصل في المقابل على بعض الملايين من الدولارات من البنوك الدولية التي تسمح بها بإنعاش اقتصادها. ولكن يظهر أن الرئيس الروسي لا يرغب في أن يتنازل عمّا تبقى لروسيا من عناصر القوة العسكرية لأن ما تمتلكه روسيا من مخزون عسكري أبقاها إلى حد ما قوة ثانوية مؤثرة في الحياة الدولية الجديدة، لذلك رفض الرئيس الروسي مناقشة اتفاقية «ستارت 2» حول الصواريخ الاستراتيجية بعيدة المدى التي تم الاتفاق بشأنها منذ سنوات. وقد فهم القادة الروس في الكريملن ما تخطط الولايات المتحدة الأمريكية له في الوقت الراهن حيث يسعى البنتاجون إلى موافقة الكريملن على اتفاقية ستارت التي تطالب روسيا بتحديد سقف ثانٍ لأسلحتها الاستراتيجية التي لا تزال تمثل تهديداً استراتيجياً لمصالح الولايات المتحدة في وسط وجنوب أوروبا، على الرغم من أن الولايات المتحدة سبق لها وأن سحبت صواريخ THOR و JUPITER من القارة الأوروبية عندما اقتنعت أن روسيا لم تعد تهدد أمن أوروبا، ذلك لأن الحلف الأطلسي والأسطول السادس برأيها قادران على مراقبة التحركات العسكرية الروسية والأوكرانية في البحر الأسود والمياه الدافئة، بدليل أن الولايات المتحدة رفضت حل الحلف الأطلسي وأسندت أدواراً عسكرية جديدة إليه، أولها مراقبة التحركات العسكرية الروسية على الرغم من زوال حلف وارسو. بوتين رجل الكريملن القوي سعى إلى التقرب من الولايات المتحدة والدول الأوروبية عندما تسلم مقاليد الحكم، حيث أعلن عن رغبته في التقرب إلى الولايات المتحدة وأوروبا ورفضه للمباديء الاشتراكية ومركزية القرار. وأرضى الولايات المتحدة باتخاذه قرارات استراتيجية أكسبته مصداقية دولية كالتزامه بداية بتنفيذ بنود اتفاقية ستارت. وكان قرار بوتين بالالتزام بما اتفق عليه ينم عن رغبته في أن تمده الولايات المتحدة الأمريكية بمساعدات اقتصادية وتسهيلات مالية من البنك الدولي وصندوق النقد، ووعدته الادارة الأمريكية بتسهيل دخول روسيا في المحيط الأوروبي باعتبار أن روسيا دولة أوروبية أكثر من كونها دولة آسيوية، إلا أن الوعود الأمريكية تبخرت كلها وراح بوتين يعلن أن القوات الروسية ستواصل مشاريعها العسكرية ومساعدة الدول المتهمة بـ «الارهاب الدولي» على بناء مفاعلات نووية حتى تحافظ روسيا من خلالها على مكانتها الدولية التي ورثتها عن الاتحاد السوفييتي السابق. وأعلنت روسيا أن مجلس الدوما (البرلمان) يرفض التصديق على اتفاقية ستارت لأن التصديق على الاتفاقية سيمس بالأمن القومي لروسيا وبمصداقية نظامها الدفاعي، لأن القوة العسكرية لا تزال توظف كعامل رادع في توجهات روسيا الدولية فإذا تغيرت العقيدة العسكرية الروسية فإن من شأن ذلك أن يفقد روسيا مصداقيتها لدى الدول الحليفة لها عسكرياً... وأعلنت وزارة الدفاع الروسية تجميد مفاوضات الأسلحة الباليستية طويلة المدى للسنوات الماضية بحجة ظهور تحديات جديدة تهدد مصالح روسيا الاستراتيجية، كما رفض بوتين منذ توليه الحكم دعوات البيت الأبيض لمناقشة ملف السلاح النووي واعتبر الملف غير قابل للنقاش ومن الملفات السرية التي لا يجب مناقشتها. وللحقيقة لا تزال الولايات المتحدة تتخوف من امتلاك روسيا ترسانة نووية تتمتع بكفاءة عالية ربما تتجاوز فاعلية ما تمتلكه الولايات المتحدة في مخزونها النووي بشهادة خبراء الشئون العسكرية والاستراتيجية... بدليل أن العديد من الصواريخ الروسية ذات المدى الطويل بمقدورها ضرب أهداف استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة تصل العاصمة واشنطن والمدن المجاورة لها على محيط 40 كيلومتراً، وتتحسب الإدارة الأمريكية من استمرار الخطر الروسي على مصالحها هذه. لأجل ذلك تواصل الضغط على الإدارة الروسية لكي تقبل بمقترحاتها وأولها تحديد وتخفيف سقف الأسلحة الاستراتيجية طويلة المدى والتكتيكية، بل أكثر من ذلك تضغط الإدارة الأمريكية الجديدة على الرئيس الروسي لكي يخفض من ميزانية الدفاع الروسية وتتخوف من زعيم الكريملن لأنه وعد الشعب الروسي بإحياء عظمة روسيا القيصرية. ويظهر أن الأشهر المقبلة ستحمل معها مفاجآت في العلاقات الروسية الأمريكية، فمع سياسة جورج بوش الابن الذي يميل إلى التصعيد وسياسة بوتين المعروف بالحزم، سيجد العالم نفسه أمام مرحلة دولية جديدة أقل ما يمكن أن نسميها بالحرب الباردة الجديدة. ـ باحث جزائري في العلاقات الدولية