بدأ الفوران في شوارع سياتل بالولايات المتحدة عام 1999. ثم انتقل إلى شوارع العاصمة التشيكية براغ قبل بضعة شهور. والآن يتفجر الفوران الشعبي في كيبيك الكندية، كمشهد رئيسي يترافق معه زمنياً مشهد جانبي مماثل في العاصمة السويدية استوكهولم. والسبب واحد: جماهير الطبقات العاملة محدودة الدخل في الغرب تنتفض أصالة عن نفسها ونيابة عن شعوب جنوب العالم ضد شرور العولمة الرأسمالية. في كيبيك الكندية اجتمع هذا الأسبوع رؤساء أو ممثلو دول الأمريكتين للاتفاق على إقامة «منطقة حرة» للتجارة تمتد من كندا شمالاً عبوراً بالولايات المتحدة إلى الارجنتين جنوباً لتشمل 34 دولة. ومن أول وهلة تستطيع أن تقرأ ما بين سطور مشروع «المنطقة الحرة». فالقوة الحقيقية وراء المشروع هي مجموعة الشركات العملاقة «متعددة الجنسية» التي تنطلق قاعدتها من أمريكا وكندا: الدولتين العظميين المتقدمتين صناعياً على جميع الدول الأعضاء الأخرى الفقيرة في قارة أمريكا الجنوبية. ما هو المشروع إذن؟ العنوان هو «تحرير» التبادل التجاري بين الدول الأعضاء جميعاً بما يؤدي إلى قيام سوق عملاقة متحررة من الحواجز الجمركية. والفكرة النظرية هي أن إلغاء الحواجز الجمركية على واردات السلع والخدمات بين هذه الدول سوف يؤدي إلى إطلاق النشاط التجاري المتبادل من إساره... وبالتالي يفضي إلى حالة ازدهار عام يفيد منه الجميع. فإلغاء القيود الجمركية يؤدي إلى توسيع نطاق التنافس الحر بين كافة المؤسسات الانتاجية والخدمية في الدول الأعضاء... وبالتالي تتهابط أسعار السلع والخدمات مع اشتداد حمى التنافس. وبذلك تفيد جمهرة المستهلكين... فترتفع مستوياتها المعيشية. هذا التنظير يكون صالحاً إذا كان قائماً على فرضية أن هذه الدول جميعاً ذات مستويات متقاربة من حالة التقدم الاقتصادي. لكن لا وجود لهذه الفرضية على أرض الواقع. فأين الاكوادور وهندوراس اللتان يقل دخل الفرد الشهري في كل منهما عن مئة دولار أمريكي من الولايات المتحدة وكندا اللتين يربو متوسط هذا الدخل فيهما على ألفي دولار؟ فكيف يُحقق التنافس التجاري الحر بين قوة صناعية عملاقة كالولايات المتحدة ودولة متخلفة كالارجنتين أو تشيلي ازدهاراً تنموياً للطرف الثاني؟ ما سوف يحدث عملياً إذا وضع مشروع المنطقة الحرة موضع التنفيذ هو الآتي: تدفق المنتجات الأمريكية إلى سوق الاكوادور مثلاً دون رسوم جمركية سوف يؤدي في زمن وجيز إلى حالة إفلاس كامل للمؤسسات الاكوادورية التي تنتج منتجات مماثلة. وهكذا وفي غضون بضع سنوات لن تبقى في السوق الاكوادورية أي سلعة منتجة محلياً لها نظير أمريكي مستورد ومعروض بسعر أقل بسبب الاعفاء الجمركي. وفي الوقت نفسه سوف تبقى السلع الاكوادورية عاجزة عن التنافس داخل السوق الأمريكية حتى مع اعفائها من الرسوم الجمركية. مشروع المنطقة الحرة للأمريكتين سوف يؤدي إذن إلى نتيجتين متلازمتين إذا طبق: أولاً تمهيد الطريق لخلق حالة احتكارية في بلدان أمريكا الجنوبية المتخلفة لصالح الشركات العملاقة المنطلقة من الولايات المتحدة وكندا. وثانياً، إبقاء هذه البلدان الفقيرة في وضع استهلاكي أبدي بلا أمل في نهضة تنموية مستقبلية مما يستتبع أيضاً بقاءها في حالة تبعية سياسية.