أخطر ما يمكن ان يواجه أمة هو ان يذوب ضميرها في زحام الماديات ويختنق في متاهات ودهاليز كشوف الحسابات البنكية.. وأن يتحول حماة مصالح الشعب أي شعب المدافعون عنه إلى مجرد مجموعة من «الأرزقية»، لا يهمهم الصالح العام بقدر ما يهمهم صالحهم الخاص، وبقدر ما يحصلون من خلال عملهم على هبات وعطايا ومكافآت حتى لو كانت هذه المكافآت أو الهدايا مجرد حقيبة بها قلم ودفتر.. المهم في النهاية ان تصب في خانة الزيادة وليس النقص. والصحفيون هم ضمير أي أمة، وهم حماة بنائها وشرطيو أمنها وهم وكلاء النيابة الذين وكلهم الشعب وفوضهم من خلال متابعته لما يكتبون للدفاع عنه وعن مصالحه. وحين يكتشف الشعب ان الذين فوضهم للدفاع عن مصالحه لا يمكن ان ينسوا هذه المهمة وهم يلهثون خلف تذكرة مجانية أو شيك من رجل أعمال أو هدية من تاجر سيء السمعة أو مبالغ مقطوعة شهرياً من شركات تسرق الشعب وتبيعه الوهم، حين يكتشف الشعب القارئ هذه الحقيقة سوف ينصرف عن الذين قدسهم ورفعهم لمصاف القضاة الذين يحكمون بالعدل ويدافعون عن قضاياه، والأسوأ من ذلك انه سوف يحتقرهم وهو يلعنهم ويسبهم، فهم مجرد مرتشين!! ولا يستطيع أحد ان ينكر ان الفساد موجود في كل مكان ويخترق كل الحواجز ويدخل إلى كل المجالات ولكن هناك مناطق محظورة لا يجب ان يدخلها الفساد، ويقترب منها كالقضاء والشرطة والتعليم والصحافة، والأخيرة في نظري هي الأخطر لأن الصحفي بالفعل هو ضمير أمته والمعبر عن مشاكلها وأحلامها والباحث دائما عن الحقيقة لحساب وطنه وليس لحسابه الشخصي، وحين ينقلب الأمر ويصبح من السهل شراء الصحفي بأقل القليل يغيب ضمير الأمة ويذوب وسط زحام التنافس المحموم بينهم على استرضاء المصادر والفوز بالهدايا والعطايا. وحين تغير مؤسسات صحفية بكبر حجمها وقوة تأثيرها مسارها من أجل حملات دعائية وإعلانات مدفوعة وتنقلب في توجهاتها إلى النقيض لمجرد الحصول على رشاوى تحت اسم الحملات الإعلانية فإن عمر هذه المؤسسات الصحفية لن يكون طويلاً بأي حال من الأحوال، لأن القارئ الذي قد يعتبره البعض غافلاً عن إدراك ما يحدث هو في الحقيقة أذكى بكثير مما يتصور أصحاب القلم وحملة مشاعل النور الذين أطفأوا مشاعلهم أمام الهدايا والعطايا وحولوا مدافع كلماتهم ورشاشات مقالاتهم من الدفاع عن مصالح الأمة إلى أرصدة وحسابات في البنوك تنفع العيال وعيال العيال، أما الوطن ومصالحه والشعب وهمومه فلهم رب اسمه الكريم.