هل تفطنت الإدارة الأمريكية ـ متأخرة ـ بأن شيئاً ما قد تغير في العالم العربي حين نصح الجنرال كولن باول الجنرال الآخر شارون بالانسحاب من قطاع غزة الأسبوع الماضي؟ يمكن أن يكون ذلك صحيحا. هذا ما أكده لي الصديق ميشال جوبير وزير خارجية فرنسا الأسبق وأحد العارفين المتعمقين في آن واحد في سياسات واشنطن وفي تحولات العالم العربي، وهو الذي يرصد بعين «ديجولية» كل جزئيات مسألة الشرق الأوسط منذ خمسين عاماً. ويضيف جوبير بأن ما حصل للفكر السياسي الأمريكي قابل للتطور... لكن عكسه تماماً يحدث في إسرائيل ـ دولة ورأياً عاماً ـ فالأخطاء الإسرائيلية في تقييم الثورة الفلسطينية ثابتة مستمرة وربما متفاقمة. وقد أشارت إلى ذلك الصحفية سوزان جولدنبرج في الـ «فاينانشيال تايمز»، وتحدث عنه عبدالسلام المجالي رئيس الحكومة الأردنية السابق في صحيفة «البيان»... وكذلك الصحفي الأمريكي وليم فاف والصحفي البريطاني روبرت فيسك. كل هؤلاء وعلى رأسهم الرئيس المصري محمد حسني مبارك لاحظوا ثوابت أخطاء التقييم الإسرائيلية لحقيقة الصراع بين الحق والباطل وما طرأ على الصراع من تحولات عميقة في العالم العربي. فماذا حدث في الصف العربي؟ مسارات التغيير الحدث الكبير هو ما نلاحظه من قدرة جديدة على استخلاص دروس التاريخ الحديث. فقد مر العالم العربي بامتحانين عسيرين في ظرف نصف قرن: نكبة ضياع فلسطين وتشرد شعبها عام 1948، وهزيمة الجيوش العربية وتدمير قدراتها القتالية عام 1967. وكان لابد أن تتأمل النخب العربية في هاتين الكارثتين بعيون جديدة تعيد قراءة الحدثين العظيمين للاستفادة منها ما دام الصراع قائماً والعدو شرساً والتحالفات الكبرى لم تتبدل ولم تتصدع. وهكذا فإن ما نراه من تضامن عربي على الجوهر بدأ يمد الثورة الفلسطينية بنسغ استمرارها. فلأول مرة نشعر بأن هذه الثورة ـ حتى وإن لم تمدّ لها أيدي المساعدات الضرورية ـ لم تتعرض للمؤامرات «الأخوية» ولم تخذلها الشوارع العربية والأدبيات العربية المعبر عنها في الإعلام والثقافة والنقابات والأحزاب الشعبية. وهي ثورة مستمرة واضحة الأهداف متنامية الوسائل تتحرك في مناخ عربي عام من المساندة والتأييد بالرغم من كل العراقيل. وقد استخلص العرب دروس نكبة 48 وهزيمة 67 وعرفوا أن التفوق التكنولوجي الذي تضمنه الولايات المتحدة الأمريكية لإسرائيل ذو مفعول محدود، إذا ما طال عمر الانتفاضة وتحولت إلى حرب استنزاف قاسية وطويلة تقبل بدفع الثمن ككل الثورات الإنسانية العادلة منذ بدء الخليقة. وعرف العرب كذلك بأن هزيمة 67 ما كانت لتقع لو كانت الدول العربية في الستينيات تتمتع بقدر من الديمقراطية والشورى واحترام الرأي المخالف. فالديمقراطية هي في الأساس سماع الرأي الآخر لتصويب المسار وتصحيح التقييم، ولم يكن ذلك متاحاً في دول المواجهة، بل إن الصراع بين المرحوم جمال عبدالناصر والاخوان المسلمين بلغ مداه بإعدام الشهيد سيد قطب في 28 أغسطس 1966 قبل أشهر قليلة من هزيمة يونيو 1967، وكذلك كان الأمر في سوريا وبمستويات متفاوتة في الدول العربية الأخرى المواجهة لإسرائيل. ولذلك فنحن نرى حركات التغير الديمقراطي تشق طريقها بقيادات شابة أو حكيمة لتصنع معجزة التوافق بين الحاكم والمحكوم في العالم العربي، وهو أمضى سلاح وأخطره على أعدائنا. إن الدول العربية تسعى ببطء لكن بوضوح نحو تكريس المجتمعات المدنية المتفاعلة وتشكيل قنوات ضغط سلمية على القرار حتى تصبح الأمة العربية كغيرها من الأمم آمنة من طبائع الاستبداد ـ كما وصفها عبدالرحمن الكواكبي منذ قرن ـ أي بعيدة عن ارتكاب الأخطاء الكبرى حتى ولو اختلفت فيها المصالح والتقييمات. إن اليوم الديمقراطي الطالع ـ عربياً ـ تخشاه إسرائيل، ولابد أن يكون شارون يحاول استباق الزمن قبل بزوغ شمسه بممارسات همجية هي آخر ورقة في يد إسرائيل قبل انتصار الحق والشرعية الدولية في فلسطين. الوعي الاقتصادي وإلى جانب الوعي السياسي العربي، يرصد الملاحظون المنصفون الغربيون وعياً عربياً اقتصادياً متنامياً، مثلما أكدت ذلك المجلة الفرنسية «لكسبرس» في عددها الصادر يوم 13 ابريل الجاري وضمن تحقيق عن الممارسات القمعية الإسرائيلية الأخيرة ضد أراضي السلطة الفلسطينية. فالعرب استيقظوا على حقائق جمعتها المؤسسات النقدية العربية في التقرير الاقتصادي العربي الموحد الصادر في سبتمبر 1998، حيث جاء في المؤشرات العربية العامة أن الناتج العربي الإجمالي يقدر بـ 598 مليار دولار وأن متوسط نصيب الفرد 2269 دولاراً، وأن نسبة احتياطي النفط المؤكد إلى الاحتياطي العالمي هو 62% وأن نسبة احتياطي الغاز الطبيعي للعالم هي 21.9%، أما انتاج النفط الخام فهو 19.5 مليون برميل يومياً وهو ما يمثل نسبة 27.8% من انتاج العالم من النفط و12.8% من الغاز. كل هذه المؤشرات تؤدي إلى التفكير ـ البطيء والثابت ـ في إنشاء الولايات العربية المتحدة، ونحن نأمل في التأثير المنتظر لعمرو موسى على هياكل جامعة الدول العربية حتى يحسن اغتنام هذين الوعيين: الوعي السياسي والوعي الاقتصادي كي ترجح كفة الصراع الدائر نحو المزيد من العدل بالرغم من انحياز أمريكا المعلن. فالاتحاد الأوروبي قوة استراتيجية ذات أهمية قصوى للعالم العربي بسبب الارتباط التاريخي والحضاري والموضوعي القائم من قرون، ولابد أن يدخل الاتحاد الأوروبي في خط الحلول الممكنة بين إسرائيل والدولة الفلسطينية القادمة. كما أن للصين ولاتحاد الجمهوريات الروسية نظرة في سياساتهما العربية تختلف عن تقييم الإدارة الأمريكية. كل هذه العوامل ستجعل شيئاً فشيئاً القطب الأمريكي الواحد يتراجع عن الانحياز الكامل للظلم الإسرائيل. فالمعطيات العربية متغيرة بسرعة أمام ثبات واستقرار ـ بل وتفاقم ـ في التقدير الإسرائيلي قصير النظر والموغل في إرهاب الدولة. والذي يقرأ عدد مجلة «لكسبرس» الفرنسية اليمينية الصادر هذا الأسبوع وحديثها الضافي عن حرب الاستنزاف الطويلة، يعتقد بما لا يداخله شك أن شيئاً ما قد تغير في الرأي العام الغربي. وهي بداية الطريق. ـ أستاذ الإعلام ـ جامعة قطر