التراجع الأمريكي أمام التحدي الصيني ليس وليد حادثة طائرة التجسس الأمريكية التي لا تزال محتجزة داخل الصين رغم إلحاح واشنطن في المطالبة بها. فهو تراجع تعود جذوره إلى ثلاثين سنة للوراء. فهل تدرك الدول العربية مغزى القصة؟ في عام 1972 جاء الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون إلى بكين ليدشّن رسمياً اعتراف الولايات المتحدة للمرة الأولى بجمهورية الصين الشعبية. كانت جيئة متأخرة ثلاثة وعشرين عاماً منذ إعلان الجمهورية الشعبية في عام 1949. ولكن لأن الرئيس نيكسون وصل صاغراً مطأطيء الرأس فإن المناسبة كانت انتصاراً دولياً للصين الشعبية له دوي. لماذا؟ قبيل زيارة الرئيس الأمريكي ببضعة شهور كان اعتراف العالم بالجمهورية الشعبية قد اكتمل عندما أجازت الجمعية العامة للأمم المتحدة في أكتوبر 1971 قراراً بطرد تايوان من عضوية مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة لتأخذ محلها جمهورية الصين الشعبية. وهكذا وجدت الولايات المتحدة نفسها في عزلة دولية نادرة النظير. وبعد زيارات سرية غير رسمية قام بها هنري كيسنجر مستشار الرئيس الأمريكي إلى بكين، قررت واشنطن أن تبيع تايوان التي تطلق على نفسها «جمهورية الصين الوطنية» لصالح الصين الحقيقية ذات الثمانمئة مليون من البشر آنذاك. هذا القرار المُذل لم يكن طوعياً. فسحب الاعتراف الأمريكي بتايوان كان شرطاً اشترطته بكين فانصاعت له واشنطن. وهكذا وصل نيكسون إلى العاصمة الصينية وهو مطأطيء الرأس. هذا الحدث الزلزال تتردد أصداؤه حتى اليوم. فالولايات المتحدة، كما تدل التجارب المتلاحقة، دولة لا تستفيد من دروس التاريخ بالرغم من أنها قوة عُظمى. وانظر ما جرى على صعيد الاجتماع السنوي للجنة الدولية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة هذا الأسبوع. لقد وجدت واشنطن نفسها في عُزلة دولية عندما انفض من حولها حلفاؤها الأقربون في «الاتحاد الأوروبي» برفضهم التصويت لصالح مشروع قرار أمريكي ينطوي على إدانة للصين. هذا تكرار مشابه في المضمون لمشهد قديم. فالدول الأوروبية نأت بنفسها عن الولايات المتحدة فيما يتعلق بالصين منذ إعلان الجمهورية الشعبية في عام 1949، فتوالت الاعترافات الأوروبية بالدولة الجديدة تباعاً رغم التصنيف الأمريكي للصين الشيوعية أو «الصين الحمراء» بأنها دولة عدو. الولايات المتحدة الآن متورطة في أزمة خطيرة مع الصين بسبب رفض السلطات الصينية تسليم واشنطن طائرة التجسس المحتجزة. ومرة أخرى يتكرر مشهد العزلة. فالحلفاء الأوروبيون ومعهم اليابان لا يرفضون اتخاذ موقف معاضد لأمريكا فحسب، بل يعزفون حتى عن التدخل كوسيط رغم توالي الاستغاثات الأمريكية بينما الأزمة الأمريكية الصينية بلغت طريقاً مسدوداً. وعندما يُطالع مواطن عربي قصة أمريكا والصين بفصولها المتتالية فإنه لابد أن يعجب: كيف تكون أمريكا نعجة وأسداً في آن معاً؟ نعجة تجاه الصين.. وأسد تجاه أمة العرب؟ إن الصين لم تُولد فجأة كدولة عظمى. فعندما خرجت إلى حيز الوجود عام 1949 كانت أمة فقيرة بمعايير فقر دول العالم الثالث اليوم في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. واليوم، وبعد نحو نصف قرن، يتنبأ الاقتصاديون الغربيون بمن فيهم اقتصاديون أمريكيون، بأن الصين بمعدل نموها الحالي مرشحة للتفوق اقتصادياً على الولايات المتحدة بحلول عام 2015 أو قبله. أما كيف حققت الصين هذه النقلة النوعية من أسفل سافلين إلى أعلى عليين، فإن هذه هي القصة التي يجب أن يعكف العرب على قراءتها فصلاً فصلاً.