النقاش الذي اشتعل في الفترة الأخيرة حول الأحزاب في الكويت، ليس جديداً ولا هو بالمفاجيء. فالنظرية العامة للديمقراطية تقول إن العمل السياسي في إطار دستور حديث لابد له ـ عاجلاً أو آجلاً ـ من وجود أحزاب يحمل كل منها أجندة واضحة تتضمن تصورها عن حل المشكلات التي تواجه المجتمع، وتعطي الجمهور العام حقه في أن يختار ما يراه من هذه البرامج صالحاً لتحقيق أهدافه، وبعد ذلك يمكّنها المجتمع من تنفيذ تلك البرامج من خلال صناديق الانتخاب التي تعكس بصورة دورية إرادة الجمهور العام. تلك هي النظرية العامة، إلا أن الديمقراطية لها تطبيقات شتى وتجارب مختلفة وتلوينات تتخذ من المسيرة الوطنية معيناً لها للاسترشاد، وهي كذلك عرض وقبول ومواءمة وتطوير قبل أن تكون تقليداً حرفياً. لقد نشأت الأحزاب في بريطانيا وكثير من الدول الديمقراطية، التي تطورت تجربتها دون ضغوط خارجية، بعد أن تقدمت الممارسة الديمقراطية من خلال العمل البرلماني... فظهرت الكتل البرلمانية ثم تطورت إلى أحزاب، كما نشأت الأحزاب في العالم المستعمَر (بفتح الميم الثانية) في الغالب من خلال الاجتهاد في إدارة الصراع مع المستعمِر (بكسر الميم الثانية). وفي الحالة الثانية كانت هناك دائماً استجابة من المجتمع لمثير خارجي هو الوجود الاستعماري بأشكاله المختلفة، والتي غالباً ما كانت تدفع المجموعات السياسية المختلفة للانخراط في عمل جبهوي واسع النطاق، يتجاوز المصالح الصغيرة والآنية لشرائح المجتمع المختلفة، ويصب في الدفاع عن المصالح العليا للشعب ككل شامل. التحدي الأعظم هنا بيت القصيد في العمل السياسي الكويتي. فالاختلاف مهما بعدت الشقة بين أطرافه لا يتعدى اختلافاً في الاجتهادات بين القوى السياسية (وأقصد السياسية هنا وليس شيئاً آخر)، إلا أن التحدي الخارجي أعظم وأكثر إيلاماً وأكبر من أن يُتجاهل، مع الاعتراف بأن هناك قضايا وطنية لابد أن يتصدى لها من هو مهتم بالشأن السياسي، منها قضايا الاقتصاد والتعليم والانتاج وعدالة التوزيع وسيادة القانون بشكل عام، ولكن ذلك لن يتأتى إلا بوجود مجتمع آمن مستقر. أما الكويت فهي ما زالت مهددة من جار الشمال الذي اعتدى على سيادتها من قبل عشر سنوات، وهو لا يزال يتربص بها يهييء له خياله أن بإمكانه أن يعاود فعلته هذه من جديد. ودون أن يكون هناك وفاق وطني شامل وعريض على استراتيجية متكاملة وموحدة لمواجهة هذا التهديد يصبح الحديث عن أي شيء آخر هو مجرد حديث في الفروع لا في الأصول، وتنحية للقضية التي تمثل الأولوية القصوى للعمل الوطني. يحدثنا التاريخ أن بسمارك في معرض تبريره غزو امبراطورية بروسيا لفرنسيا في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، عندما سُئل: لماذا فعلتها؟ قال: «لقد كان بالإمكان أن نفعلها، ففعلناها (حالة الغزو)». كما يحدثنا التاريخ بأن ذلك الغزو الشهير كان تبريره مضحكاً للغاية، فقد كان سببه المعلن أن البرقية التي أرسلت إلى امبراطور بروسيا وقتها من نابليون الثالث ترجمت على أن بها كلمات غير لائقة، وهو مجرد تبرير وذريعة لا أكثر، لأن الحقيقة الناصعة كانت تلخصها عبارة «لقد كان يمكن فعلها فقمنا بفعلها»، التي اعترف بها بسمارك للتاريخ، وهي حقيقة تنطبق على ما فعله النظام العراقي تجاه الكويت سنة 1990، بصرف النظر عن التبريرات المضحكة أيضاً التي اخترعها، بدءاً من موضوعات النفط وأسعاره، مروراً بالادعاء بوجود الانقلاب الداخلي المزعوم ومبرراته، وانتهاءً بالربط (الجزافي) بين التحرير في الشرق والعدوان في الجنوب. لقد كانت سنة 1990 اضطراباً أضعف الجبهة الداخلية. ومن أجل أن نصل إلى النتيجة المنطقية، وهي أنه لابد من خلق حالة في الكويت تمنع التبرير (بإمكان الفعل) مرة أخرى، وهنا لابد من الانتباه إلى أن الحديث يتعلق بما هو استراتيجي أكثر منه بما هو تكتيكي مؤقت. فعلينا جميعاً أن نسأل أنفسنا: كيف يمكن خلق «حالة» مستعصية تجبر العدو على عدم تكرار الفعل الأهوج، مهما كانت المبررات؟ ليس هناك سوى بناء جبهة داخلية صلبة اقتصادياً، وسياسياً منصرفة إلى الكليات الوطنية لا الصغائر الذاتية والآنية. حرب باردة قبل ذلك لابد من القول إن التحرر الذي كان ساخناً بمعاونة كبيرة من أشقاء وأصدقاء، تحول إلى حرب باردة، يستخدم فيها النظام العراقي كل قدراته التنظيمية والإعلامية والسياسية إقليمياً ودولياً... في هذه الحرب الباردة علينا أن نستخدم أيضاً قوانا الفاعلة وهي أساساً ذاتية، ولعل أهمها وأعظمها جبهة وطنية متراصة، وعلمية قادرة على مواجهة التحديات ليس بالخطابة والكلام، ولكن بالفعل والإنجاز كما فعلنا إبان الاحتلال بل أكثر. وتفتيت الجبهة الداخلية في صراع عبثي هو أهم ما تعتمد عليه تكتيكات النظام العراقي. وليس سراً أن الكتابات التي نُشرت حتى الآن ومنها ما عُرف بالتقرير الحزبي للبعث العراقي بُعَيد التحرير مباشرة، وظهر في كتاب بقلم سعد البزاز بعد ذلك بعنوان «حرب تلد أخرى»، فيها إشارات واضحة تُراهن على تفتيت الجبهة الداخلية الكويتية، وخلق حالة صراع عبثي، لا سياسي، بمعنى أنه صراع قطعي استبعادي، وليس نسبياً متسامحاً، وذلك لتفتيت الدرع الأكثر قوة، وهي تلاحم قطاعات الشعب في الكويت وراء منجزاته التي تحققت. ولعل التشقق الذي يعتري هذه الجبهة ويظهر في التراشق بين صفوفها، يمتد من المفاهيم المختلفة والمتضاربة حول توصيف ما حدث ويحدث، حتى يصل إلى الاجتهادات تجاه الآخر، إلى أن يبلغ حد التشقق في الجبهة الداخلية والتمترس حول مقولات يتفوق فيها حجم الرغبة على حجم القدرة. فيما يتعلق بالمفاهيم، وعلى سبيل المثال، تم أخيراً قبول مفهوم «الحالة» بين العراق والكويت لتوصيف ما وضعته الأمم المتحدة، ولكن لم يتم تبني ما وضعته الأمم المتحدة ومجلس الأمن والذي يسمى «خطوات عدم التمكين» للعراق من استخدام الأسلحة والتهديد ضد جيرانه، ووقع الكثيرون منا في فخ المفاهيم التي يفضلها نظام بغداد، فأصبح العديد منا يصفون «عدم التمكين» في بعض الأحيان بالعقوبات ويصفونها في الغالب بـ «الحصار» وهو مفهوم صكه النظام العراقي وليس له أثر من الواقع ولا ظل. واستخدم هذا المفهوم على نطاق واسع في الخطاب الكويتي. عدم التمكين مفهوم لا يزال جارياً على كبار الدول، وقد فرضته الأمم المتحدة ومجلس الأمن منذ الحرب العالمية الثانية، فليس بإمكان ألمانيا مثلاً أو اليابان (وهما من المعسكر المنهزم في الحرب) تصنيع أي من أسلحة الدمار الشامل، وإلى اليوم لا يزال «عدم التمكين» سارياً على هاتين الدولتين، كما هو وارد ومطبق على كثير من الدول في هذا الفسيح، لسبب أو لآخر وبدرجة أو أخرى، ومن هنا تجيء أهمية «المفاهيم» وصياغتها، لأنها تشكل حدود الوعي بالمشكلة وطريقة فهمها وزوايا رؤيتها. فرقة الأحزاب وإن ابتعدنا قليلاً عن المفاهيم ـ والتي هي مهمة وأساسية ـ في الحرب الباردة التي نخوضها، في هذه المرحلة، ونعود إلى افتقاد خطاب موحد ودقيق حيال القضايا التي تواجهنا في هذه الحرب تجاه الآخر، والتي قد يطول مداها، فليس من الواجب أن نبقى أسرى لردات الفعل التي اتسمت بها الكثير من مراحل مسيرتنا حتى الآن، وتظهر لنا بعض التصرفات والتصريحات وكأنها مفاجأة أو جديدة من الأقربين أو الأبعدين، ونهرع لفهمها أو استنكارها، فالمجتمعات ـ كالأفراد ـ لا تحصل على ما ترغب، بل وتحصل على ما تستحق، وهو جهد عقلي وعملي منظم، وليس من الجائز تناول الحلفاء والأصدقاء بخفة أو دون تبصر، كما أنه ليس من الجائز التغاضي عن المصالح الوطنية من أجل مصالح فئوية أو شخصية، والتلهي بصغائر العمل السياسي دون الأخذ بأولوياته الكلية التي تتعلق بالغايات الوطنية الكبرى، كما لا يجوز العكوف على النظر إلى ما تحت الأقدام والانغماس في العمل اليومي، دون إطلاق النظر إلى الأفق وفي أقصى الأمام والتجاوز عن التحديث في الشجرة حتى تتضح لنا أبعاد الغابة الممتدة. إن وضع استراتيجية لحماية أمن المجتمع في المديين المتوسط والطويل هو من أوليات العمل السياسي في الكويت، بالطبع دون الإضرار أو تعطيل العمل الوطني الآخر، ولكن أيضاً دون إهمال أو تجاوز لهذه الأولية القصوى. فأبناؤنا وإخواننا ونساؤنا ورجالنا الصامتون الكثيرون في هذا المجتمع يستحقون أن ينعموا بالأمن طويل المدى والاستقرار. ولأن العمل السياسي ليس طريقاً سريعاً معبداً تظهر على جانبيه علامات التحول والانعطاف بشكل مسبق وواضح، بل هو طريق تظهر فيه المنعرجات فجأت دون سابق إنذار، فالحديث عن أحزاب سياسية يزيد من الفرقة، وفي ضوء فضاء سياسي عليه أن يتجاوز الكثير من المآزق، ويحقق الكثير من الأهداف المأمولة، لعل أبرزها سيادة القانون واحترامه وقبول المساواة المطلقة بين المواطنين وتجويد التعليم والارتقاء بالخدمات قبل أن تهزم أجندته المتوخاة الحديث عن الأحزاب. ففي جو سياسي مثل هذا الذي نراه ونعيشه، لن تقدم الأحزاب للعمل الوطني إلا مزيداً من التباعد والتشرذم، في الوقت الذي يبحث فيه العقلاء عن جبهة وطنية واسعة وموحدة تقدم العام والجوهري على الخاص والفئوي والهامشي، في هذه الحرب الباردة التي إن خسرناها نكون قد خسرنا الكثير. ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت