اتذكر عندما كنت طالبة علوم سياسية في الجامعة في بداية الثمانينيات ان الوسط الطلابي يومها كان يعيش مرحلة عاجة بالنشاط، والحركة والخلافات في الرأي والتعبير عن الرأي، وقد كان هناك من يجادل بالحسنى ومن يجادل بالصراخ ومن يجادل بالأيدي والفوضى.. وكل الذي عاش تلك السنوات يتذكر ذلك تماماً. يومها عرفت كل تلاوين الطيف الموجودة، وتغلغلت مع كل التيارات على قلتها وبساطتها وسمعت جميع وجهات النظر المطروحة، واخترت الحياد أو الصمت في معظم الاحيان، لأنني بقلة خبرتي وتجربتي وانعدام المرجعية الحكيمة التي يمكن ان يلجأ اليها طالب في بدايات مشواره مع الحياة والنضج وتكوين الفكرة، بسبب كل ذلك رأيت ان الطريق حينما تكون كثيرة الغبار شديدة الضباب فإنه من الجنون ان تنطلق بسيارتك فيها لأن النهاية ستكون معروفة! لذلك اخترت يومها ان أقف على جانب الطريق لأن العقل يقول ذلك. ومن ذكريات تلك الايام يبدو لي هذا المشهد: كنت في طريقي الى قاعة المحاضرات، وفي ساحة الجامعة تجمعت مجموعة من الطالبات يصرخن في مكبرات الصوت والميكروفونات، ويدخلن على الطالبات في الغرف الدراسية مطالبات بالخروج والاحتجاج والاعتصام و... لسبب يرونه هم مهماً لدرجة الحد الفاصل بين الحياة والموت، فقلت في نفسي ربما كان الاعتقاد من حقهن، لكن هل هذه الطريقة سليمة للتعبير عما نعتقد؟ حملت تساؤلي في داخلي متوجهة لقاعة الدرس وقد تذكرت انه في مساء اليوم السابق كنت قد دعيت للمشاركة في الاعتصام من قبل واحدة من المتزعمات للحركة وكانت صديقة مقربة الى نفسي، فصارحتها برأيي في الأمر وبأنني أرى بأن الأمر لا يستدعي الاعتصام وبأنني غير مستعدة للمشاركة في أمر غير مقنع بالنسبة لي! فكان ردي صاعقاً بالنسبة لها، وتركتني وقد انهت كل علاقة تربطني بها وكأنها تعاقبني على أن لي رأياً مختلفاً يخالف رأيها! وهذه واحدة من سقطاتنا الكبرى في طريقة التعاطي مع حرية الرأي. وفي انتظار الدكتور وقفت في الطابق الثاني أطل على المجموعة المعتصمة التي مازالت تصرخ في الميكروفونات، وقد وقفت بجانبي طالبة هي الآن سيدة ذات مركز مرموق وناشطة في الحركة النسائية في الامارة التي هي فيها، دار حديث قصير بيننا فسألتها عن رأيها فيما يحدث؟ فاستوضحتني الأمر، فأجبتها بما أعلم من شأن الطالبات، فما كان منها الا أن قالت: نحن طالبات علوم سياسية، واول ما ندرسه هو أبجديات الديمقراطية والحرية والتعبير عن الرأي، ولكن هناك وسائل وآليات، ولكل جماعة في الحياة طريقتها في ممارسة هذه الديمقراطية وتلك الحرية. تذكرت هذه الحكاية وانا أستعيد المعمعة التي عاشتها الولايات المتحدة الامريكية أيام الانتخابات الاخيرة ونتائجها التي اثارت جدلاً وانقساماً في الرأي العام هناك لم يحدث من قبل ابداً، ومع ذلك فقد تمكن جورج بوش الابن من ان يصبح رئيساً لأمة تعدادها 260 مليون نسمة بفارق 700 صوت في ولاية فلوريدا فقط، بينما كان آل جور هو الرابح للمعركة كما أفرزت النتائج، لكنه الدستور والقانون الذي يجب ان يحترم ولو على حساب اكثر من نصف الأمة الامريكية. هذه هي ديمقراطية القانون.. أما ديمقراطية العالم الفقير او المتخلف فستظل ديمقراطية على طريقة...!! ولا تعليق.