ما إن فرغنا من طقوس التأمل وشعائر الاستعبار في حكاية الآنسة التي أسماها أهلها «بحيرة ناصر» حتى وافتنا الأخبار اليعربية، من الأردن هذه المرة، بواحد من أهل ربعنا اليعاربة أطلق على وليدته، بدوره اسم «القمة العربية»، لها الله طبعاً هذه الصبية الأردنية حين تشب عن الطوق، تروح وتجيء هنا أو هناك، وهي تتلقى الأوامر والنواهي من قبيل تعالي يا قمة.. روحي يا قمة، دع عنك ان يستبد الوعي السياسي بواحد من أهلها فإذا به يهتف بالمسكينة المهيضة قائلا: ويلك من فاشلة وخائبة: تنعقدين ـ يا قمة ـ مثلما تنفضين، وكأنك يا أبا زيد ما غزيت! ولك ان تدعو الله معنا ان يجنب المواليد بدوات الآباء ونزواتهم فلا نجد أطفالا يحملون اسم «عدم الانحياز» أو «دول حوض النيل» أو «مجموعة السبعة والسبعين»! ولسنا ندري ـ علم الله ـ الفلسفة التي يصدر عنها قومنا الآباء والأمهات بالذات حين يطلقون على أولادهم هذا الاسم أو ذاك.. لكن الذي ندريه ان العم الكبير نجيب محفوظ له فلسفة ما، ندركها في بعض الأحيان حين يختار الأسماء لأبطال وبطلات حكاياته المحفوظية ولقد القينا يوما محاضرة في قاعة داج همرشولد بالأمم المتحدة بمناسبة الفوز بجائزة نوبل واخترنا لها عنوانا هو «شعر الرواية عند نجيب محفوظ» ولا تعي الذاكرة بعد هذه السنين تفاصيل ما قلناه، وكان فيه ـ فضلة خيرك ـ كلام مفيد، بقدر ما كان فيه كلام على خلاف ذلك.. لكننا قد نذكر كيف توقفنا ببعض من تأمل شأن غلاة المفكرين عن الاسم الذي اختاره نجيب محفوظ لشخصية لا يكاد يحسها القارئ في ثلاثية «بين القصرين» أول أجزاء الثلاثية: الشخصية هي لرجل هائم جوال لا نعرف له أصلا من فصل، رجل على باب الله من أهل الطريق كما يمكن ان نسميه يفتتح به الروائي الكبير سطور الثلاثية ويدفعه إلى تذكير بطلها ـ السيد أحمد عبدالجواد ـ بما مضى، قبل زمن الرواية من مراحل وأزمان.. يوم كان أحمد عبدالجواد طفلا ثم شابا يعيش في كنف أبيه الذي لم نره في الرواية ولم نتطرق إلى ذكره إلا بالسماع. هذا الرجل من أهل الطريق كما نسميه كان هو الوحيد الذي يخشاه أحمد عبدالجواد أو يختشي منه.. كما يقول المصريون، انه في مقام أبيه وله من ثم حق السمع وحق الاحترام، وكم كان رجل الله يقرع السيد أحمد ويلومه على هذا السلوك أو ذاك.. ويسأل عما آل إليه الأولاد والأحفاد من عشيرة أحمد عبدالجواد وهم الذين تابعتهم ريشة الروائي الفنان في دأب عجيب وتفاصيل مدهشة وتصوير ينبض أبداً بروح الحياة. يكاد رجل الله.. ان يلعب دور الكورس ـ الجوقة في تراجيديات الاغريق.. في مسرحيات سوفوكليس ويوربيديس بالذات حيث الكورس ـ الجوقة تصاحب أحداث الرواية وتعلق على سلوك الشخصيات. بل يكاد رجل الطريق في الثلاثية المحفوظية يجسد عنصر الزمن أو شخصية التاريخ الخرافية التي تسبق الحدث.. ثم تعيش بعد انقضائه.. ليس صدفة ان تنتهي رواية بين القصرين بمشهد هذا الرجل من أهل الطريق وقد بلغ من العمل منتهاه وأصابه ذهان الشيخوخة.. يجلس في عرض الشارع لا يكاد يعي من حوله شيئا، يمر به موكب جنازة في حي الجمالية.. يسأل بفم مفتوح عن الراحل.. يجيب الناس انه السيد أحمد عبدالجواد .. يسمع صاحبنا ولا يستمع، يصغي ولا يعي.. لم يعد أحمد عبدالجواد يمثل له شيئا ولا يثير في نفسه ذكرى.. فقد جفت ـ بفعل الزمن ـ منابع الذكريات، أتدري ما هو الاسم الذي خلعه نجيب محفوظ على هذه الشخصية الغريبة التي لا تلبث ان تظهر ثم تختفي بين ثنايا رواية بين القصرين.. لقد اختار له اسم «متولي عبدالصمد» وكما أسلفنا فقد توقفنا مليا عند دلالات الاسم.. انه الانسان في المطلق.. الذي يتولى وينتهي أجله.. تنقضي مرحلته وينتهي دوره.. لكنه عبدالصمد.. الذي لا يتولى بغير انتهاء ولا انقضاء لأنه الفرد الصمد، الأول والآخر السرمدي الوجود. وقد نصارحك القول أننا ما زلنا شغوفين بهذا النوع من تأمل دلالات الاسماء ويعجب المرء لذاكرته وقد اثقلتها أحمال التجارب والسنين، كيف لا تزال تحمل بعض هذه الدلالات التي ارتبطت في الزمان المعاصر بأسماء أفراد بعضهم كان له شأن كبير في الحياة السياسية العامة ـ في مصر على الأقل ـ وبعضهم مثل العبد الفقير من آحاد الناس أو حتى من غمارهم إن شئت التعبير، من ذلك مثلا ان محمد باشا محمود إذ كان رئيسا لوزراء مصر في آخر العشرينيات أراد ان يؤكد لقومه انه رجل دوغري وقد كان كذلك فعلاً انه رجل جاد في محاربة انتشار مرض الملاريا الذي تنقله ـ كما لا شك تعرف ـ البعوضة الملعونة التي تتوالد وسط المياه الراكدة وخاصة في أرجاء الأرياف ولذلك قال محمد محمود في خطاب العرش الذي ألقاه بالبرلمان: ولسوف تعمل حكومتي على ردم البرك والمستنقعات.. لكن على من؟ كان خصومه الوفديون بالمرصاد، فكان ان اطلقت عليه صحافتهم تسمية ساخرة ظلت عالقة به إلى آخر حياته وهي «وزير البرك.. والمستنقعات». وعندما أراد حلمي عيسى باشا وزير المعارف المصرية في الثلاثينيات ان يلعب دور الرجل الحازم الذي لا يعجبه الحال المائل.. قرر الوزير إغلاق معهد التمثيل المسرحي وشتت شمل الموهوبين وقتها من شباب المسرحيين ممن أصبحوا أساتذة فن التمثيل في مصر وخارجها ومنهم مثلا الأستاذ زكي طليمات، يومها حمل حلمي باشا لقباً دخل به التاريخ وهو «وزير التقاليد» وهو في كل حال أهون وأخف وقعاً من حكاية البرك والمستنقعات. وعندما كنا نلتقي بشاعر أم كلثوم الأثير أحمد رامي سواء كنا طلابا نختلف إلى ندوة ابراهيم ناجي أو كنا في مراحل العمل الاذاعي الأولى.. كان المرء يعجب كثيرا وهو يطالع وجه الأستاذ رامي وقد علته أخاديد وتجاعيد وآثار جدري قديم وأنف من العيار الثقيل الجسيم.. ومع هذا كله كان هناك من يطلق على أحمد رامي لقباً ظل يلازمه معظم حياته وهو «شاعر الشباب» وكنا نتساءل في براءة جاهلة أو غافلة، أي نعم هو شاعر، لكن أي شباب؟ ونقول انها كانت براءة غافلة إذ كنا نجهل ان المسألة ببساطة تتلخص في ان أحمد رامي كان يكتب بواكير أشعاره في مطبوعة متواضعة اسمها مجلة «الشباب»، فكان ان اطلق عليه صاحبها لقباً يفيد انه «شاعر مجلة الشباب» لزوم البروباجاندا للشاعر والمجلة على السواء. وكان ان عاش اللقب مع الشاعر وربما استملحه وازداد به شغفاً، ومن ذا الذي لا يشغف حبا بلقب شاعر الشباب؟ وللمطرب القديم عبدالغني السيد أغنية ذاعت شهرتها بعنوان «ع الحلوة والمُرّة» وكانت من تأليف شاعر اسمه سيد مرسي، ولكن مشكلة المؤلف انه سكت عن نظم الأغاني فترة طويلة وفيما كان أقرانه يطالبون بحقوقهم الأدبية والمادية لقاء أعمالهم الغنائية العديدة من جمعية المؤلفين والملحنين في باريس فيما كان يعرف باسم حق الأداء العلني كان الأستاذ «سيد مرسي» ينال مبلغاً لا يغني ولا يسمن من جوع لقاء وحيدته ـ بيضة الديك كما يقولون ـ التي يغنيها عبدالغني السيد.. يومها نسى الناس اسمه الأصلي وأطلقوا عليه لقب الأستاذ «سيد .. الحلوة والمُرّة» منسوبا إلى أغنيته الوحيدة التي فتح الله عليه بشقيقات لها ومن ثم عاد بسلامة المولى إلى اسمه القديم. ثم هناك «سيد» آخر كان فيما يبدو يتعامل في «صنف الأخضر» وتلك تسمية الدلع التي أطلقها المصريون على الدولار الأمريكي أيام كان تداوله خارج البنوك يقع تحت طائلة القانون: هنالك اشتهر صاحبنا باسم بات من معالم الحي الذي نسكنه الآن في القاهرة وهو الحاج سيد .. الأمريكاني.. والدلالة هنا من أوضح ما يكون. أما آخر أصحاب هذه الألقاب والمسميات العجيبة فقد حملها الفنان يحيى الفخراني في واحد من أكثر أدواره تميزا وإجادة كما نتصور، وهو دور المحامي البوهيمي الذي يسكن الاسكندرية ولا يكاد يصلح لشيء بل هو يحب الأوبرا فنا وتشخيصا وفُرجة ومسرحاً وغناءً، ولذلك أطلق عليه الناس اسم «سيد أوبرا» أو هكذا اختاره له مؤلف مسلسل تلفزيوني ممتع لم ينل حظه الكافي من الأهمية والشيوع وهو «أوبرا عايدة» والذي أسعد المرء ان كان العمل الأول ـ الباكورة ـ للمؤلف الشاب الذي لا نذكر اسمه ـ للأسف ـ وقت كتابة هذه السطور.