لاشك أن موجة التصعيد العسكري الاسرائيلي الراهن ضد الشعب الفلسطيني لم تأت من فراغ ولا كانت لذلك مفاجأة لأحد، فالاسرائيليون أدلوا بأصواتهم الانتخابية لصالح شارون، عندما وعدهم باستخدام أقصى درجات العنف ضد الفلسطينيين لتحقيق الأمن الاسرائيلى، كما وأن القصف الذي تعرضت له القوات السورية في لبنان مؤخرا، لم يكن رد فعل لعملية حزب الله التي أسفرت عن مقتل جندي اسرائيلي في مزارع شبعا اللبنانية المحتلة، وإنما لدعم التيار الماروني المناهض للوجود السوري في لبنان، وفصم التحالف الاستراتيجي بين مساري السلام السوري اللبنانى! وتأتي تلك التطورات الخطيرة المتسارعة في أعقاب المهمة التي قام بها على التوالي في واشنطن كل من الرئيس حسني مبارك والملك عبدالله عاهل الأردن، وباءت بالفشل في اقناع الادارة الأمريكية سواء بالتدخل لانقاذ مسيرة السلام من الانهيار، ولا مجرد الالتزام بموقف عادل ومتوازن بين الفلسطينيين والاسرائيليين، والأدهى والأمر تكليف أو حث مصر والأردن على اطلاق مبادرة مشتركة لوقف العنف بين القاتل والضحية، بما يعنى احتمالين كليهما مرفوض عربيا.. الأول أنه بات على البلدين الانسحاب من الصراع العربي الاسرائيلي، بدعوى كونهما طرفا محايدا إثر توقيعهما على معاهدات السلام مع اسرائيل، وأن قضية العرب المصيرية على مدى خمسين عاما شأن يخص الفلسطينيين وحدهم، والاحتمال الثانى الاذعان لتهديدات شارون لياسر عرفات بوقف الانتفاضة كشرط للتفاوض مجددا، وتلك هي المحصلة النهائية للنتائج والتوقعات التى أسفرت عنها مهمة واشنطن. وكنتيجة طبيعية لهذا الموقف الامريكي المنحاز لاسرائيل يحاول شارون كسب الرهان على تصفية الانتفاضة واذلال الفلسطينيين وتجويعهم وهدم أكبر عدد من منازلهم واقتلاع مزارعهم واغتيال قيادات السلطة الفلسطينية ورموز المقاومة، بالتزامن مع بناء المزيد من المستوطنات، حتى اذا عاد الطرفان الى مائدة المفاوضات، كان على الفلسطينيين أن يعضوا أصابع الندم على أيام باراك، وليس أمامهم خيار آخر سوى القبول بأقل من مساحة الضفة الغربية التي سبق وعرضها عليهم وقوبلت بالرفض، ودولة هشة منزوعة السلاح والسيادة تحت الوصاية الاسرائيلية. ولو أن شارون نجح في خطته فلا يلوم العرب سوى أنفسهم فمن أعمالهم سلط عليهم، فكم ضيعوا من الفرص التاريخية السانحة تباعا لحسم الصراع مع اسرائيل لصالحهم، حتى حين أمسك الفلسطينيون بزمام المبادرة واندلعت الانتفاضة الأولى، لم تنل ما تستحقه من الدعم العربي المطلوب سياسيا واقتصاديا واعلاميا رغم تواصلها على مدى سبع سنوات، ونجاحها في الضغط على اسحاق رابين، فكان قراره سحب القوات الاسرائيلية فرارا من أوحال وكابوس الانتفاضة في غزة وأريحا، واعتراف اسرائيل وأمريكا لأول مرة بشرعية منظمة التحرير كممثل وحيد للشعب الفلسطيني، بينما كتب العرب براءة ذمتهم من انتفاضة الأقصى عبر رصد القمة الطارئة مليار دولار، لم يصل منها سوى بضعة ملايين لاغاثة أسر الشهداء والمصابين، والتخفيف من ويلات الحصار الاسرائيلى، والاسهام في تسيير مؤسسات السلطة الفلسطينية، في الوقت الذي بلغت خسائر الاقتصاد الفلسطيني على مدة أربعة شهور الانتفاضة أربعة مليارات، حسب التقديرات الاسرائيلية، والمؤسف بل المخزي أن تنجح الانتفاضة في عزل باراك لفشله في قمعها، بينما تراجعت القمة العربية الدائمة في عمان عن تقديم ما وعدت به القمة السابقة من الدعم المالي في صورة قروض ميسرة على أقساط بدون فوائد ربوية على غرار القرض الحسن في الشريعة الاسلامية، ثم لا نعرف على وجه اليقين على ماذا تراهن الأنظمة العربية إذن لحسم الصراع القومي مع اسرائيل.. هل على السلام كخيار استراتيجي فحسب رغم خيار القوة الاسرائيلية لفرض الاستسلام على العرب؟ هل على الشرعية الدولية بعدما أصبح مجلس الأمن مطية لأمريكا؟ أم على الرئيس بوش الذي منح شارون تفويضا على بياض حتى يواصل عدوانه على الفلسطينيين دون حماية دولية؟ أم على المجتمع الدولي الذي صدق افتراء الفلسطينيين وعنتهم ضد الاسرائيليين؟ أم الرهان على الأجيال العربية في المستقبل لتدارك فشلهم؟ أم التضرع الى الله حتى ينزل غضبه على اسرائيل؟ أم ماذا؟ القضية جد وما هي بالهزل، فها هي أمريكا تتراجع نسبيا عن موقفها من دعم شارون وحماية ممارساته الوحشية، وتدين إفراطه في القوة ضد الفلسطينيين، وتملي عليه إرادتها، فكان الانسحاب المفاجئ والسريع للقوات الاسرائيلية من مناطق السلطة الفلسطينية، ولعله من هنا أكدت الانتفاضة وصمودها وجسارتها مصداقية معادلة جمال عبدالناصر «ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة» وبات على أنظمتنا العربية تدارك قبل فوات الوقت حتميات دعم الانتفاضة كونها خط الدفاع الأول عن شرف الأمة وسيادتها ومصيرها، خاصة وأن الشعب الفلسطيني لا يطالب بأكثر من ذلك، وعلى أهبة الاستعداد لحمل أعباء القضية برمتها عبر تقديم المزيد من الشهداء حتى تتحقق أهداف التحرر من الاستعمار الاسرائيلي وقيام دولته المستقلة وعاصمتها القدس. ترى هل ثمة خيار آخر؟ لا أعتقد سوى خروج العرب من التاريخ!