عضو الكونجرس الامريكي فرانكلين جراهام كاهن مسيحي بارز يؤم رجال وزارة الدفاع الامريكية «البنتاجون» في الصلاة من حين لآخر (كما تروي صحيفة «فاينانشيال تايمز» اللندنية)، وهو في الوقت نفسه مستشار الشأن المسيحي لقائد «الحركة الشعبية لتحرير السودان» جون قرنق، فهل الحرب الدائرة في جنوب السودان هي هجوم جهادي اسلامي ضد المسيحية والمسيحيين ام هجوم مسيحي ضد الاسلام والمسلمين؟ «فاينانشيال تايمز» تقول ان مضمون الرسالة التي يبثها جراهام الى الرأي العام الامريكي انطلاقا من منبر الكونجرس هو ان في جنوب السودان «اغلبيه» مسيحية نهضت بالسلاح في وجه حكومة اسلامية عدوانية في الخرطوم. ويهدف الكاهن جراهام من وراء بث هذه الرسالة الى امرين: اولا تحفيز الادارة الامريكية الحالية تحت رئاسة جورج بوش الابن، ليس لمواصلة الدعم الذي كانت تقدمه ادارة كلينتون الى «الحركة الشعبية» وقواتها القتالية فحسب، بل ايضا تصعيد ومضاعفة هذا الدعم بما في ذلك انشاء منطقة «حظر جوي» فوق اراضي جنوب السودان على غرار الحظر الجوي الامريكي فوق اراضي العراق. ثانيا: باستدرار الوجدان المسيحي بين الامريكيين ـ جماعات وافرادا ـ يهدف جراهام الى استقطاب المال، واذا كان حريا بالامريكيين المسيحيين ان يجاهدوا بأنفسهم في سبيل قرنق وجيشه المسيحي فان اقل ما يجب ان يسهموا به هو الجهاد بأموالهم ضد الشمال السوداني الاسلامي علما بأن للسيد جراهام «جمعية اغاثة» داخل الاراضي الجنوبية التي تسيطر عليها قوات قرنق. ان مسلك هذا الكاهن الامريكي المتعصب ينسجم تماما مع الخلفية التاريخية لمشكلة جنوب السودان، فالمشكلة لم تبدأ عندما حمل قرنق السلاح عام 1983. ان عمر المشكلة مئة سنة على الاقل، تبدأ على اقل تقدير تاريخي بدخول السودان تحت سيطرة الادارة الاستعمارية البريطانية التي طويت صفحتها بحلول عام 1956. خلال هذه المرحلة الاستعمارية الغربية كان جنوب السودان خاضعا تماما لسيطرة تبشيرية مسيحية ذات طابع احتكاري. ومن بين المحظورات التي اشتمل عليها قانون اطلق عليه «قانون المناطق المغلقة» جعل يوم الاحد، وليس يوم الجمعة العطلة الاسبوعية للجنوبيين ومنع استخدام اللغة العربية، ومنع اقلية الشماليين المسلمين المقيمين في الجنوب من اقامة الصلاة علنا. ولمدى عقود متصلة ظل الجنوب مقسما الى ثلاث «مناطق نفوذ» محتكرة لثلاث هيئات كنسية تتولى شأن التعليم والتبشير للاجيال الجنوبية على اساس محور ثابت لنشر البغضاء ضد العرب والعروبة والاسلام والمسلمين. وبعد ست سنوات من استقلال السودان اندلعت حملة اعلامية شرسة ضد الخرطوم قادتها «الفاتيكان» عندما ضمت الحكومة المدارس في الجنوب للمرة الاولى الى وزارة التربية والتعليم، كما كان ينبغي ان يكون عليه الحال، فقد ادى القرار الى تصحيح وضع شاذ تتمتع فيه دون وجه حق هيئات كنسية اجنبية بسيطرة احتكارية على نظام تعليم النشء في اقليم تابع لدولة مستقلة. وعندما يدعو الكاهن الامريكي فرانكلين جراهام اليوم الى تسعير الحرب الصليبية في جنوب السودان، والتي يمثل «الجيش الشعبي لتحرير السودان» رأس حربتها، فان حملته ليست سوى احدث حلقة في مسلسل تاريخي طويل.