عندما يترك الرؤساء الامريكيون مناصبهم تبدأ المعركة حول تراثهم، ويناقش المؤرخون المساهمات التي انجزها هؤلاء الرؤساء، ويدقق الصحافيون في سجلاتهم، ويزن الرأي العام ذكرياتهم، ويدخل رجال الاحزاب الساحة كذلك، حيث يحاول كل جانب رفع شأن الرؤساء المفضلين لديه، فيما يعمل على التقليل من شأن من يعارضهم على الصعيد السياسي، وبالنسبة لرجال الاحزاب هؤلاء فإن ما يوضع على المحك يتجاوز الذاكرة العامة او مكانة الرؤساء السابقين المفضلين لديهم في عمليات استطلاع الرأي، وفيما يسعى النشطاء السياسيون الى تكريس تراث ابطالهم، فإنهم يسعون كذلك الى الرفع من شأن فلسفتهم ورواجها. وعلى سبيل المثال، فإنه على امتداد عقود من الزمن رفع الليبراليون من قدر رئاسة فرانكلين ديلانو روزفلت وبرامجه الخاصة بالنهج الجديد، وقد كان اطول رؤساء امريكا بقاء في منصبه حيث انتخب اربع مرات، وقاد الولايات المتحدة على درب الخروج من الكساد العظيم، واطلق برامج اجتماعية كفلت تقديم الدعم للفقراء والعاطلين والمتقاعدين وقاد امريكا خلال الحرب العالمية الثانية، فهدأ المخاوف وكان مصدر الهام للعظمة. واصبح النصب التذكاري الذي اقيم مؤخرا لفرانكلين روزفلت احد مصادر اجتذاب السياح الى واشنطن وهذا النصب لايخلد تاريخ الرجل فحسب، وانما يمجد فلسفته السياسية كذلك. وقد نظر المحافظون على امتداد وقت طويل الى نهج فرانكلين روزفلت الجديد باعتباره تجسيدا لكل ماهو خطأ فيما يطلقون عليه «الحكومة الكبيرة» وقد ناضلوا لكي يزعزعوا في آن فلسفته السياسية ولكي يحلوا محله في «مجمع الرؤساء العظام» مثالا أعلى يتقدمون به هو رونالد ريجان، وهناك في الوقت الراهن جهد يتصدى لقيادته ناشطون محافظون ويدعمه بعض الاعضاء الجمهوريين في الكونجرس لتشييد نصب تذكاري لرونالد ريجان في واشنطن ولاطلاق اسمه على المزيد من المباني والمنشآت الفيدرالية، وهناك بالفعل مجمع جديد للمكاتب الحكومية في واشنطن اطلق عليه اسم ريجان، كما أعيدت تسمية مطار واشنطن الوطني ليحمل اسم «مطار ريجان الوطني» وهذه المجموعة التي لم تشعر بالرضا بعد تعمل على ان يكون هناك مبنى واحد على الاقل في كل من الولايات الخمسين يحمل اسم الرئيس الجمهوري الاسبق، وقد اقترح بعض اعضاء الكونجرس وضع صورته على احد وجهي العملة الامريكية بل وربما حفر ملامحه على جبل رشمور. وريجان على الرغم من اصابته بمرض الزهايمر وابتعاده عن عيون الجمهوري هو رئيس سابق على قيد الحياة وهكذا فقد تساءل البعض عن مدى ملاءمة هذه الجهود، ولكن ماذا عن رؤسائنا السابقين الاخرين الذين لايزالون على قيد الحياة؟ لقد اصيب بيل كلينتون الذي سعى لتوسيع نطاق تراثه خلال العام الاخير لبقائه في منصبه بمحاولة التفاوض حول اقرار السلام في الشرق الاوسط اصيب بالاحباط من جراء انهيار جهده وعاين سعيه من أجل تراث عظيم من المزيد من الضربات الناجمة عن عدد من المفارقات التي حدثت خلال الايام الاخيرة له في منصبه. ولكن كلينتون ليس موغلا في العمر وهو موهوب الى حد كبير، وعلى الرغم من المفارقات العديدة التي ركز عليها خصومه الحزبيون فإن رؤية الرأي العام لسنواته الثماني التي امضاها في البيت الابيض لاتزال جيدة تماما وهذا جنبا الى جنب مع مايفعله مع ما بقي له من عمر قد يعيد له فرصة ان يكون له تراث تاريخي ايجابي. وقد حظي سلفه جورج ه. بوش بحياة هادئة الى حد بعيد منذ تركه منصبه، وقد اتسمت المدة التي امضاها بوش في البيت الابيض بالكفاح للخروج من ظل ريجان، ولم يشهد الا لمحة من العظمة بوصفه القائد الاعلى لحرب الخليج الثانية، وقد انتهى هذا بهزيمة انتخابية في عام 1992 وعلى الرغم من ذلك فإن بوش ربما يجد ان تراثه يعتمد الى حد ما على نجاح المدة التي يقضيها ابنه في منصب الرئيس. ولم يخدم جيرالد فورد الرئيس الجمهوري الاخر السابق الا فترة قصيرة في منصبه، وقد عاش في تقاعده حياة يغلب عليها الطابع الخاص، ذلك من شأنه ان يترك جيمي كارتر الرئيس الامريكي السابق الاخير، وقد خدم كارتر، وهو ديمقراطي في سدة الرئاسة خلال السنوات من 1977 الى 1981 وانتهت مدته في منصبه وسط غيوم الاقتصاد المتداعي والرهائن الامريكيين المحتجزين في ايران، ولكنه منذ تركه منصبه قام بالمزيد لتأصيل تراثه على نحو يفوق فيما اعتقد اي رئيس اخر على مر التاريخ. ارتبط جيمي كارتر اولا بشكل وثيق بمشروع تطوعي لايستهدف الربح هو مشروع «مجال للانسانية» وخلال العقدين الاولين لوجود هذا المشروع اصبح اسمه مألوفا في الحياة اليومية للعديد من الجماعات على امتداد الولايات المتحدة، فقد شيد مئة الف بيت منخفض التكلفة لايواء مليون ونصف مليون نسمة في مايزيد على 60 بلدا على امتداد العالم، وعمل هذا المشروع من خلال فروعه البالغ عددها 1900 فرع على تحسين احوال الجماعات وقدم مساهمات حقيقية في تحسين اوضاع حياة الملايين من البشر. وغالبا ما قضى كارتر نفسه اوقاتا طويلة تطوع بها في اطار انشطة هذا المشروع، وعندما يفكر المزيد من الامريكيين فيه اليوم فإنهم يتذكرونه وهو مرتد ملابس العمل وعاكف على بناء دار بأكثر مما يتذكرونه وهو مرتد بدلة انيقة في البيت الابيض وعلى الرغم من انه موغل في العمر الا انه لايزال حتى اليوم يتطوع بأسبوع عمل كل عام هو وزوجته روزالين لهذا المشروع. وفي العام الماضي ساعدا في بناء مئة دار في مدينة نيويورك، وفي العام قبل الماضي ساعدا في بناء 300 دار في فيلادلفيا، وقد زاد مركزه المسمى مركز كارتر في اتلانتا بولاية جورجيا من مصداقيته كرئيس سابق عظيم، وقد انشيء هذا المركز في عام 1982 ويصف دوره بأنه «اقرار السلام ومكافحة المرض وبناء صرح الأمل». وقد كان لبرامج مركز كارتر المعروفة على امتداد العام تأثير كبير على حياة من استفادوا بمشروعاته. والعديد من مشروعات المركز يقودها بصفة شخصية الرئيس السابق نفسه، وقد قدمت مساعدة فنية وراقبت الانتخابات في 20 دولة تمضي نحو الديمقراطية وتفاوضت حول حلول سلمية للصراعات في هايتي وكوريا ونيكاراجوا والعديد من الدول الافريقية وواصلت القيام بحملات من اجل حقوق الانسان وهو ماشكل موضوعا اساسيا لفترة رئاسته. وكانت مشروعات المركز الصحية على القدر نفسه من الاهمية، ومن خلال جهود المركز تم القضاء بصورة فعلية على مرض مخيف اصاب اجزاء من اسيا وافريقيا، وساعدت برامج اطلقها المركز مايزيد على مليون مزارع في افريقيا على زيادة محاصيلهم وتحسين مستوى معيشتهم. وقد شرفت بالخدمة تحت لواء الرئيس كارتر كمراقب انتخابات في فلسطين في عام 1996 وجلب وجوده ذاته النزاهة للعملية الانتخابية وألهم كل من شاهدوه الصمود في وجه العديد من التحديات لضمان ان تكون الانتخابات «حرة ونزيهة». واتيحت لي، مؤخرا، الفرصة لاجراء مقابلة مع كارتر حول عدد من القضايا ذات الصلة بعمله، وتحدثنا عن حصوله على جائزة دولية هي جائزة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وذلك تقديرا لعمله في مجال الحفاظ على البيئة. وقد سألته كذلك عن رأيه في قضيتين من قضايا الشرق الاوسط الكبرى، وهما الصراع في فلسطين والعقوبات المفروضة على العراق، وكانت ردوده قوية ومباشرة. وفيما يتعلق بالفلسطينيين قال كارتر: لقد تعرضت لبعض المتاعب عندما كنت رئيسا، لانني دعيت لوطن قومي فلسطيني علنا، وذلك قبل اسابيع قلائل من وصولي الى سدة الرئاسة، وكان اسلوبي الاولي في المفاوضات هو حماية حقوق الفلسطينيين الاساسية في اتفاقيات كامب ديفيد التي وقعها رئيس الوزراء الاسرائيلي مناحيم بيجن وصدق عليها الكنيست الاسرائيلي وكذلك وقعها الرئيس المصري انور السادات وصدق عليها مجلس الشعب المصري ثم التأكيد مجددا على الالتزام بقرار مجلس الامن الدولي رقم 242 ومنع الاستيلاء على اراضي الغير بالقوة والدعوة للانسحاب الكامل من الضفة الغربية وقطاع غزة، غير انه عندما اشاحت الولايات المتحدة عمليا بناظريها بعيدا، وهو ما اخشى اننا فعلناه خلال السنوات القليلة المقبلة فيما واصلت اسرائيل بناء مستوطنات اضافية في الاراضي المحتلة، بادرت الى رفع الصوت بالانتقاد علنا. وفيما يتعلق بالعراق قال كارتر: انني شخصيا اشعر بأن العقوبات المفروضة على العراق قد اتته بنتائج عكسية، حيث تقدر منظمة الصحة العالمية ان ما يتراوح بين مئة الف طفل عراقي ونصف مليون طفل عراقي ربما قضوا نحبهم بسبب الرعاية الصحية غير المناسبة، والتي تسببت العقوبات فيها بصورة جزئية واعتقد ان هناك مسئولية مشتركة في هذا المجال، لان المزيد من الدخل من بيع النفط كان يمكن ان يكرس لتخفيف المعاناة وللحيلولة دون موت هؤلاء الاطفال، ولكنني اعتقد ان العقوبات تؤدي لنتائج عكسية لاسباب عديدة، واحد هذه الاسباب هو ما وضعته لتوي، اي السبب الانساني، وثانيا ان الولايات المتحدة وبريطانيا تتحركان بصورة ملموسة من دون تفويض او موافقة من الامم المتحدة، وثالثا انني اعتقد ان العقوبات تلحق الضرر بالشعب العراقي وليس بالنظام العراقي. وربما انتهت مدة بقاء كارتر في منصبه وسط السحب والغيوم، وقد انتقده الجمهوريون على امتداد سنوات عديدة، ونحاه الديمقراطيون جانبا، ولكن عمله منذ تركه منصبه والتزامه المستمر بالحقوق الانسانية وبالخدمة العامة قد ضمنا ان تراثه سيتم اقراره والاعتراف العام به ليس من قبل الناشطين الحزبيين وانما من قبل ذوي النوايا الحسنة في كل مكان. ـ رئيس المعهد الامريكي العربي