استوقفني صديقي الذي فاض به الكيل وهو يستنزف كل مدخراته، ويصرف كل موارده وأمواله في سبيل تغطية نفقاته لإسكات غول الاستهلاك اليومي في المسائل الحياتية المختلفة، قال لي أليس غريباً أينما وجهت وجهي أجد أمامي اللافتة إياها في كل باب، «اسحب ـ ادفع» يقصد طبعاً «اسحب الباب لتدخل أو ادفعه لتخرج»، ولكن لأن صديقي ظل يسحب دائما ويدفع كثيراً في السوبر ماركت، لموقف السيارة، لاتصالاته الهاتفية، لصاحب البناية، لدائرة المياه والكهرباء، لـ «الصرف» الصحي، لدخول الأطفال إلى الحدائق للتنزه، لبترول السيارة، لمكالمات المدام لأهلها، للهاتف حيث الصغار يتحدثون لأصدقائهم، للانترنت حيث الكبار يراسلون الزملاء، لملابس الصيف والشتاء، للشغالة التي تقوم مقام المدام تقريبا، للمياه الصحية حيث مياه الصنبور تجلب الأمراض، لإرسال بعض الإعانات للأهل في الوطن، لتنفيذ بعض المطالب للأصدقاء الذين يرجون خيره، للفواكه والخضر وأنبوبة الغاز، لصيانة السيارة المستعملة، أو التاكسي عندما يركن سيارته في الكراج للإصلاح عدة أيام، لزيارة الطبيب مثنى وثلاث ورباع، للدروس الخصوصية، حيث زحمة الصف المدرسي لا تتيح للأبناء الاستيعاب الجيد، ثم لإعداد موازنة جديدة لمواجهة زيادة الرسوم التي فرضتها وزارة الصحة بالاضافة لاستصدار البطاقة الصحية وتجديد الإقامة وملكية السيارة المنتهية، وانتظار اقرار مقترحات وزارة التربية والتعليم بشأن الرسوم الدراسية التي ستطبق اعتباراً من العام المقبل. رفع صديقي رأسه عله يجد اجابة شافية لسؤاله المطروح ربما تصبح بلسما لقلبه المجروح، قلت له لله درك ياأخي.. فليس المسئول بأدرى من السائل، فلعنة «اسحب ـ ادفع» كما تطاردك تطاردني، بل وتطارد الملايين من الغلابة أيا كانوا، متزوجين أو «عزابة» التاركين أوطانهم خلفهم وجاءوا بحثاً عن الثروة والحياة الهانئة ولم يدروا ان خوازيق الاسراف يجلس عليها الكل، والحياة الاستهلاكية تستنزف معظم الناس، وثقافة الانفاق الجنوني تفوق كل تصور واحساس. إن «اسحب ـ ادفع» لم تعد مجرد لافتة مكتوبة تصادفنا أينما ذهبنا، لكنها أصبحت ممارسة يومية، وسلوكاً معاشاً ليس مرتبطاً فقط بالمعاش، بل تحول إلى التزامات عبر قروض وديون وفواتير مؤجلة السداد، وشيكات طائرة تحلق به إلى السجن، فحولت الانسان من كائن يعمل ليعيش إلى انسان يعيش ليعمل حتى يواجه كافة التزاماته المادية ويسدد ديونه ويغطي نفقاته ويواجه معضلاته الحياتية، وبات السعيد هو ذلك الذي يستطيع ان يغطي نفقاته في حدود امكاناته لا طموحاته، لكن يبقى السؤال أين هو ذلك الشخص الذي ينام ثم يقوم وليس لديه أي هموم؟ آخر نقطة قيل: الأخلاق الصالحة ثمرة العقول الراجحة، فمن لقي الناس بالاحسان، وعاملهم بالأخلاق الحسان، فهو الذي يخفف عليهم جانبه، وتحمد أخلاقه ومذاهبه، ولن يعدم منهم حسن الثناء، ومن الله عظيم الجزاء.