إنها آخر الحصون التي نحتمي بها بعد ان تهاوت الكثير من قلاعنا في زمن اشتدت فيه الضربات علينا حتى لم نعد نعرف من اي الجهات تأتينا وبأي الوسائل ندفعها. انها لغتنا العربية التي حفظت لنا التواصل مع جذورنا دينا وفكرا وحضارة واصبحت للامة ذاكرة تربط الاصول بالفروع وللبيت عمودا يحفظه من الوقوع فاستهدفها الاعداء وشنوا عليها حملاتهم الشعواء، وكلما فشلت حملة جهز الحاقدون لاخرى واستعد الحماة لصد غارة بعد غارة حتى غدت الغارات تترى نتوقعها بين فينة واخرى. قبل أيام خيّب مسئولو مجلس البث في اذاعة صوت امريكا ظن رئيس مجمع اللغة العربية في القاهرة الدكتور شوقي ضيف اذ ما كاد يبدي دهشته من كون الاقسام العربية في الاذاعات الاجنبية تتمسك بالفصحى من دون أي لحن او خطأ بينما الاذاعات العربية تشرك العامية مع الفصحى حتى بادر احد مسئولي مجلس البث في اذاعة صوت امريكا الى القول ان عددا صغيرا جداً من المستمعين العرب المحتملين يتابعون برامج صوت امريكا على مدار الساعات السبع من بثها في الوقت الراهن، وفي منطقة تتميز بتنوع ثقافي شديد ولهجات متعددة فإن الاذاعة الامريكية تبث برامج واحدة عبر المنطقة برمتها باستخدام الفصحى التي يعتبرها كثير من العرب مضحكة! ويعلق مدير مجلس البث المسئول عن الشرق الاوسط قائلا: انه امر محزن، ويشبه ما نفعله تفصيل بدلة ذات مقاس واحد والزام الجميع بارتدائها» ولذلك فقد عمد مدير المجلس الى وضع خطة طموحة تتيح المجال امام صوت امريكا لبث برامجها للعالم العربي على مدار الساعة، وستقسم الشبكة الاذاعية نفسها الى خمس مناطق جغرافية لتتمكن من التركيز على الاخبار والاهتمامات واللهجات المحلية. لن نستغرب هذا الاهتمام الذي بدأ المجلس يوليه المستمعين العرب والذي تمثل في الاتجاه الى مد ساعات البث الموجه للعالم العربي من سبع ساعات الى اربع وعشرين ساعة لمواجهة مشاعر العداء المتنامية في العالم العربي لامريكا وسياساتها التي خلعت كل الاقنعة واردية الدبلوماسية وهي تعلن تأييدها المطلق للممارسات الصهيونية في الاراضي العربية داعية العرب وحدهم الى وقف العنف، وكأن العرب هم الوحش الاكبر الذي يوشك ان يبتلع اسرائيل المسكينة الضعيفة طيبة القلب قليلة الحيلة، ولذلك يعتزم المجلس المستقل الذي يشرف على الاذاعات الحكومية الامريكية المصادقة على الخطة التي وضعها لتمريرها بعد ذلك الى الكونجرس للحصول على التمويل اللازم لتنفيذها وتشتمل الخطة على التوقف عن البث باللغات البلغارية والرومانية والسلافية والاوزبكية والبرتغالية والتركية والارمنية والاذربيجانية والجورجية حيث ستنفق الاذاعة من بين الملايين الخمسة والنصف مليون من الدولارات التي ستوفرها جراء ذلك حوالي اربعة ملايين دولار لتمويل البرامج العربية الجديدة التي تعتزم انتاجها لمواجهة طوفان البرامج الناطقة باللغة العربية في الشرق الاوسط التي تعج ـ كما يرى المسئولون الامريكيون ـ بالكراهية لاسرائيل والولايات المتحدة حيث يشير مدير مجلس البث المسئول عن الشرق الاوسط بصوت امريكا «نورمان باتز» الى ان «ثمة حربا اعلامية قائمة في المنطقة.. ولا تتمتع وسائل البث الامريكية بتأثير هناك». واعجب كيف يتوقع السيد باتز والمسئولون الامريكيون والخبراء الذين رصدوا مشاعر الكراهية لاسرائيل والولايات المتحدة في الاذاعات العربية وتوقعوا ان تواجه صوت امريكا صعوبات في اجتذاب جمهور عريض لها ان لم تتسم نبرتها بقدر من اللاسامية على حد تعبيرهم، اعجب كيف يمكن لهم ان يتوقعوا غير ذلك وعشرات الاطفال والشباب والشيوخ يسقطون كل يوم برصاص امريكي يطلقة سلاح امريكي تحت مظلة امريكية بأيد اسرائيلية تباركها وتمدها بالمال والتأييد والفيتو الجاهز لحمايتها اذا اقتضى الامر امريكا التي يسعى مسئولو اذاعتها الى البحث لهم عن أذن صاغية تصدّق اكاذيبهم بين المستمعين العرب الذين يشير خبراء امريكا الى ان اتصاف الكثير مما يبث باللغة العربية حاليا بمشاعر العداء، ضد اسرائيل والولايات المتحدة نابع من رغبتهم في ذلك؟ وكي لاندع الحماس يبعدنا عن موضوعنا الاصلي ننحي السياسة جانبا ونعود الى ما بدأنا به حديثنا من تزامن خطة صوت امريكا مع دعوة مجمع اللغة العربية بالقاهرة ومناشدته وسائل الاعلام العربية ورجال الدولة في العالم العربي استخدام «اللغة العربية السليمة» وتحذيره مما وصفه بـ «ثنائية العربية والعامية». فقد اوصى المجمع في ختام دورته السابعة والستين التي انتهت قبل أيام بـ «استخدام اللغة العربية السليمة في جميع وسائل الاعلام لانها اللغة القومية المشتركة بين الشعوب العربية التي تجعل من شعوبها اتحادا عالميا امام التكتلات الاجنبية». ولان الدورة قد تمحورت اعمالها حول موضوع «اللغة العربية في وسائل الاعلام» فقد طالب المجمع وزارات الاعلام في العالم العربي بوضع «خطة لغوية مشتركة للمحافظة على اللغة العربية بوصفها لغة العرب القومية ولغة دينهم وتراثهم وحضارتهم مما يوجب الاعتزاز باستعمالها في مختلف مجالات الحياة». كما شدد المجمع في توصياته على ان تقوم وزارات الاعلام العربية بالعمل على «الغاء الثنائية بين اللغة العربية واللغات الاجنبية» موصيا الحكومات العربية بحظر نشر الاعلانات في الصحف العربية بلغات اجنبية حفاظا على كرامة الامة! وكي لايوصم اعضاء المجمع بالتزمت والجهل والغياب عن الساحة الفنية فقد دعا المجتمعون وسائل الاعلام العربية الى زيادة المساحة المخصصة للغناء الفصيح لمواجهة «طوفان الغناء الذي يستخدم مستويات هابطة من العامية واللهجات المحلية» وبرهن اعضاء المجمع على متابعتهم لما يبث على شاشاتنا الفضية ارضية وفضائية عندما رأوا انه من الضروري اطلاق اسماء عربية على البرامج الاذاعية والتلفزيونية ودعوا الى استخدام اللغة العربية في برامج الاطفال حرصا على تنشئتهم بطريقة صحيحة. وهكذا ادى اعضاء مجمع اللغة العربية بالقاهرة واجبهم على أكمل وجه، وارضوا ضمائرهم وفضوا دورتهم السابعة والستين على امل ان تجد دعواتهم المخلصة هذه آذانا صاغية لدى وسائل الاعلام العربية، وتوسموا خيرا في وزارات الاعلام العربية عندما طالبوها بوضع «خطة لغوية مشتركة للمحافظة على اللغة العربية» وما دروا انهم قد اطلقوا صرختهم في واد وان مناشدتهم هذه سوف تذهب ادراج الرياح كما ذهبت مئات المناشدات قبلها، وان كنتم في ريب مما اقول فما عليكم الا ان تضغطوا على مفتاح جهاز التلفزيون وتتجولوا بين المحطات الفضائية والارضية العربية لتروا اللهجات العامية تفرض نفسها على كل البرامج وتخرج لسانها للجميع معلنة وصولها الى نشرات الاخبار في بعض المحطات العربية بعد ان كانت نفوسنا قد اطمأنت الى ان نشرات الاخبار هي القلاع الحصينة التي لايمكن ان يتسلل اليها هذا الداء فإذا بها تنهار كما انهارت قبلها قلاع كنا نحسبها هي الاخرى حصينة، غير ان اخشى ما اخشاه على اساتذتنا الافاضل اعضاء مجمع اللغة العربية وقد بلغ معظمهم من العمر ارذله ان تسول لاحدهم نفسه ادارة المذياع على محطة من محطات الـ «اف.ام» لتصدمه هذه الموجه العاتية من الاغاني الحديثة الهابطة او يتناهى الى سمعة ان المطرب الذي بلغ دخل شريطه حتى الان اربعة ملايين جنيه هو «مكوجي» او «كوّاء» اذا صح الاشتقاق، وانه امي لايعرف القراءة والكتابة، وان مؤلفي هذه الاغاني هم من الجزارين والسباكين وتجار الخردة والحشاشين، وساعتها لانعلم ما يمكن ان يحدث لاعضاء مجمعنا الكرام اذا ما انتشرت مثل هذه الاخبار بينهم اذ ستهون حينها خيبة امل استاذنا الدكتور شوقي ضيف في الاقسام العربية بالاذاعات الاجنبية وتتضاءل امام الخيبة الكبرى التي تتردى فيها وسائل اعلامنا وفنوننا العربية جمعاء، وعندها ربما صدق علينا قول شاعرنا العربي: نعيب زماننا والعيب فينا ومالزماننا عيب سوانا