قد يكون من الصعوبة بالنسبة لأي مراقب أن يستنتج طبيعة الرسالة التي تود الإدارة الأمريكية الجديدة إيصالها للعراق. فمنذ تسلمها مهامها في شهر يناير الماضي وحتى اليوم لم يمض على هذه الإدارة سوى ثلاثة شهور فحسب، وهي فترة قصيرة بكل المقاييس، لا تمكن من قراءة الخطوط العريضة للسياسة الأمريكية تجاه العراق. ناهيك عن أن الخارجية الأمريكية نفسها لم تستكمل بعد أفكارها ولم تبلور مفاهيمها بخصوص هذه القضية. وهي لن تفعل ذلك قبيل شهر يونيو المقبل وهو الموعد الذي تجري فيه الأمم المتحدة المراجعة نصف السنوية لبرنامج النفط مقابل الغذاء. مع ذلك ففي غضون الشهرين الماضيين كان ثمة مؤشرات على اتجاهات هذه السياسة التي توقع البعض أن تكون متشددة. وقد انصبت تلك المؤشرات على جانبين، الأول: هو مجموعة الأفكار التي أطلقتها الإدارة الأمريكية مؤخراً والخاصة بإعادة تعريف الحصار المفروض على العراق، وبما يؤمن رقابة شاملة على الجانب العسكري وتخفيف القيود على دخول المواد ذات الطابع المدني، وخاصة الغذاء والدواء الى العراق. والجانب الآخر هو ما يتعلق بنشاط المعارضة العراقية المدعومة من واشنطن. العقوبات الذكية خلال جولته في عدد من دول المنطقة خلال شهر فبراير الماضي والتي شملت مصر والأردن والكويت والسعودية وسوريا، طرح وزير الخارجية الأمريكية كولن باول أفكاراً تتعلق بعقوبات وصفت بأنها «ذكية»، تلخصت في تخفيف القيود على واردات العراق من السلع المدنية وتشديدها على الواردات ذات الطابع العسكري. وتشمل آليات تنفيذ هذه الأفكار، حصر عدد المطارات والنقاط الحدودية التي تعبر منها هذه الواردات، كي يتسنى تشديد الرقابة عليها. ويقول المسئولون الأمريكيون إن إحكام الرقابة على معابر الحدود مع العراق سيتم بالاعتماد على هيئات الجمارك المحلية (في الدول المجاورة) على أن يدعمها مفتشون من الأمم المتحدة أو أي منظمة دولية أخرى لضمان التنسيق بين الدول المختلفة. وسيتم وضع نظام لتفتيش الطائرات في المطارات التي تقلع منها متجهة الى العراق للتأكد من أنها لا تحمل أي سلع محظورة. ويقترح باول أيضاً إعادة الإمساك بزمام الموقف فيما تقول الإدارة الأمريكية انه عمليات تهريب واسعة للنفط العراقي عبر دول الجوار، والذي يعود على الخزينة العراقية (حسب تقديرات أمريكية) بمبالغ تصل الى ملياري دولار سنوياً بعيداً عن رقابة الأمم المتحدة. ولهذا الغرض سوف يسند للأمم المتحدة وضع قائمة بأسماء الشركات التي يصرح لها بشراء النفط العراقي بهدف تضييق الخناق على الشركات التي يشك في دفعها أموالاً بطريقة خفية الى بغداد. ولكي تنجح هذه الخطط يتطلب الأمر مساعدة مباشرة وقوية من دول الجوار المحيطة بالعراق، وهي تحديداً سوريا والأردن وتركيا وإيران. ومن أجل تشجيعها على تقديم مثل هذه المساعدة طرحت الولايات المتحدة إمكانية استفادة هذه الدول من شراء نفط عراقي منخفض السعر، كما يحدث حاليا في واقع الأمر، ولكن بصورة غير مقننة. وستستفيد هذه الدول أيضاً من إمكانية تصدير بضائعها للعراق. ووقتها قال المسئولون الأمريكيون إن هذه الأفكار قد وجدت قبولاً من جانب الدول العربية التي زارها باول بل وترحيباً كبيراً من بعضها، رغم أن أحداً حتى الآن لا يعرف كيف ستجد هذه الأفكار طريقها الى التطبيق، سيما في ظل رفض العراق الحازم لها، وهو العنصر الأساسي في نجاح أو فشل الخطة الأمريكية الجديدة، بالإضافة الى عدم تحمس الدول المحيطة بالعراق (حتى الآن على الأقل) لسياسة العقوبات الأمريكية، عدا المعارضة التقليدية التي تبديها دول دائمة العضوية في مجلس الأمن مثل روسيا والصين وفرنسا للعقوبات الأمريكية على العراق. وعلى الرغم من أن الإدارة الأمريكية تبدو عبر خطتها الجديدة وكأنها تستجيب للضغوط الدولية التي ما انفكت تطالب بتخفيف الحصار عن الشعب العراقي وتمكين المزيد من السلع والمواد الغذائية والأدوية من الوصول الى العراق، وعدم عرقلتها في لجنة العقوبات (لجنة 661)، إلا أن الأمر ينطوي على أهداف أمريكية مغايرة. ويمكن القول إن أبرز هذه الأهداف هو حرمان العراق من إمكانية تحميل الولايات المتحدة وشركائها المسئولية عن المعاناة التي يتعرض لها العراقيون. وثانياً: الإبقاء على المعطيات الأساسية في الحالة العراقية كما هي، وبما يوفر المجال لتحكم واشنطن في الملف العراقي بصورة أفضل، سيما وسط التعقيدات المتزايدة التي تحيط بهذا الملف. إن من شأن الخطة الجديدة أن تحرم العراق من أية أموال أو من التحكم في ثرواته، وهذا من شأنه أن يحول الحكومة العراقية في النهاية الى مجرد جهاز إداري أو وسيط تتلخص وظيفته في ضبط عملية تصدير النفط الى الخارج وضبط استيراد وتوزيع المواد الغذائية على المواطنين. وثالثاً: إبعاد شبح المطالب العراقية برفع الحصار والعودة مجدداً للساحة الدولية. فطالما أمكن تلبية الحاجات الأساسية للعراقيين، ضمن الآليات المتبعة حالياً، فإنه لا تعود هناك حاجة ملحة لبحث وضع نهاية للعقوبات. رابعاً: إعادة ربط عجلة العقوبات المفروضة على العراق من جديد بسلسلة التفتيش على أسلحة الدمار الشامل. وهذا هدف أمريكي جوهري، بل لعله الأساس الذي بُنيت عليه استراتيجية العقوبات، ويمكننا إذا شئنا أن نقول بدون تحفظ، إن استراتيجية حرب الخليج الثانية برمتها بُنيت على أساس تجريد العراق من قوته العسكرية. خامساً: في ظل وضع كهذا تتخلص الإدارة الأمريكية من الحرج والانتقادات التي تواجهها جراء إيصالها الملف العراقي لحالة الجمود والتأزم الراهنة، وبما يعطيها المزيد من الوقت لوضع استراتيجية أكثر تماسكاً واتزاناً لمعالجة هذا الملف. تنشيط المعارضة وبموازاة الأفكار «الذكية» التي طرحتها واشنطن لتحريك الملف العراقي، كان هناك جهد آخر لتنشيط المعارضة العراقية وتحديد فصائل وأحزاب عراقية جديدة يمكن العمل معها بعد التجارب الفاشلة في الاعتماد على المؤتمر الوطني العراقي. فقد قالت وزارة الخارجية الأمريكية في تصريح للمتحدث باسمها ريتشارد باوتشر (20 مارس الماضي) إن الإدارة الجديدة مستعدة لتقديم مساعدات مالية لمنظمات خارج إطار المؤتمر الوطني العراقي، وان الولايات المتحدة ستكون على اتصال مع أطراف عراقية أخرى بعد فشل المؤتمر في استيفاء «الشروط القانونية» التي تؤهله للاستحواذ على المساعدات الأمريكية بمفرده. ويتعلق الأمر بقانون أصدره الكونجرس الأمريكي ينص على أن توفر الحكومة ما لا يقل عن 25 مليون دولار في ميزانية العام الحالي لإنفاقها على نشاطات المعارضة العراقية مثل البث الإذاعي وجمع المعلومات داخل العراق ونشرها وما شابه ذلك. وقال مسئول بالخارجية الأمريكية صراحة إن المؤتمر الوطني العراقي لا يستطيع أن يستوعب مبلغ 25 مليون دولار. وهو يقصد بذلك أن عدد أعضاء المؤتمر ونشاطاته في العراق هي أضعف من أن تستحق هذا المبلغ. والحقيقة أن وفداً من المؤتمر الوطني الذي يتزعمه أحمد الجلبي، كان قد سارع للسفر إلى واشنطن في مطلع شهر فبراير الماضي بمجرد أن بدأت الإدارة الأمريكية الجديدة مباشرة مهامها. وهناك اجتمع مع مسئولين في الخارجية في محاولة لمعرفة الخطوط العريضة للسياسة الأمريكية تجاه العراق، وإقناعهم بأحقيته في الحصول على المساعدة الأمريكية. لكن يبدو أن الاجتماع لم يخرج بأي نتيجة ترضي وفد المؤتمر. وهو ما حدا بالأمريكيين للبحث عن أطراف أخرى تستطيع أن تنفذ. وهذه الأطراف المرشحة هي المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق والحزب الشيوعي العراقي وحزب الدعوة. وحتى الآن تفيد المؤشرات بأن هذه التنظيمات لا تمانع في إجراء اتصالات مع الإدارة الأمريكية. وفي هذا الإطار اجتمع مساعد وزير الخارجية إدوارد ووكر أواسط شهر مارس الماضي مع ثلاث شخصيات عراقية هم نجيب الصالحي وحاتم مخلص ومضر شوكت. ولم يكشف النقاب عن الجهات التي يمثلها هؤلاء لكن يعتقد أن واشنطن بصدد عقد اجتماعات مع عدد أكبر من الشخصيات العراقية في الخارج. ويبدو أن الصراع في الحصول على الأموال الأمريكية (25 مليون دولار) قد دفع بعض جماعات المعارضة الى الاستماتة في إبراز وتضخيم قدراتها داخل العراق، لإقناع واشنطن بأنها تستحق تلك الأموال، ولو عن طريق القيام بالتفجيرات وأعمال التخريب داخل العراق. ففي 16 و21 مارس الماضي وقع انفجاران في بغداد أسفر الأول عن مقتل شخصين وإصابة 27 آخرين بجروح، في حين أسفر الانفجار الثاني عن جرح ستة مدنيين. وقد ألقت السلطات العراقية باللائمة في الانفجار الأول على عاتق جماعات المعارضة في حين حملت إيران مسئولية الثاني. وعلى الرغم من أن العنصرين اللذين تحدثنا عنهما، أي «الأفكار الذكية» وتنشيط المعارضة العراقية، يبدوان جديدين في إطار سياسة إدارة الرئيس بوش تجاه العراق، لكن الواقع انهما لا يحملان أي مضمون جوهري، يختلف عما سلكته الإدارة الأمريكية السابقة. وإذا تمت مقارنة مقترحات وزير الخارجية الأمريكي كولن باول والمتعلقة بالسماح بدخول المواد ذات الطابع المدني للعراق وتشديدها بالنسبة للمواد العسكرية، مع ما تتضمنه مذكرة النفط مقابل الغذاء التي وقعها العراق مع الأمم المتحدة وبدأ تنفيذها عام 1996، فإننا لن نلحظ اختلافاً كبيراً. وفيما يتعلق بالمعارضة العراقية، فإن وضع المزيد من الأموال في أيديها لن يغير من وضعها أو موقعها ضمن موازين القوى داخل العراق. ولا يبدو أن إدارة بوش متحمسة أو تملك فرصاً كبيرة لترويج هذه المعارضة أو إقناع الدول المجاورة للعراق بالتعاون معها. وبالنتيجة فإن هذه الإدارة (حتى الآن على الأقل) ربما تفضل السير على خطى من سبقوها، ريثما تتضح ملامح سياستها الخارجية في المنطقة بصورة عامة، وهذا لن يحدث ربما قبل نهاية هذا العام. ـ كاتب من البحرين